··· أبعد من البيان الوزاري!
يُدرك رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان أن البيان الوزاري، الذي يُطالب بإنجازه قبل حلول عيد الاستقلال الأحد المقبل، لن يكون هو العقدة التي تعترض انطلاقة الحكومة الجديدة، لأن التوافق السياسي على المضمون سبق الاتفاق على النص البياني للبنود!·
غير أن السهولة المتوقعة في إقرار البيان الوزاري، وما يتبعه من التصويت النيابي الكثيف على الثقة بالحكومة، وبما يشبه الإجماع، لا تخفي قلق العديد من اللبنانيين من التحديات والمطبات التي تواجه الحكومة الائتلافية، والتي قد تُهدّد تماسكها، كما حصل في حكومة السنيورة الأولى، والتي نالت ثقة مئوية في مجلس النواب، أو على الأقل تشل فعاليتها، وتعطّل قراراتها على نحو ما أصاب حكومة السنيورة الثانية، والتي لم تشفع لها ولادتها على إيقاع اتفاق الدوحة!·
فالمناورات البائسة التي سيطرت على مشاورات التأليف، وروح المحاصصة الفئوية والشخصية التي هيمنت على اللقاءات والمفاوضات التي سبقت التشكيل، وتمسّك بعض أطراف الأقلية بالشروط التعجيزية لإجهاض نتائج الانتخابات النيابية، أدت في النهاية إلى تعزيز شكوك المخلصين بإمكانية نجاح الحكومة الوليدة في مواجهة التحديات، في حال بقيت أساليب المزايدات، وعقلية المحاصصات هي السائدة داخل مجلس الوزراء·
* * *
وبقدر ما يتوق اللبنانيون إلى حكومة قادرة وناشطة، بقدر ما سيكون التحدي الأوّل والأكبر أمام الحكومة الائتلافية هو قدرتها على الانسجام والانجاز!·
وإذا لم تكن إرادة العمل بروحية الفريق الواحد متوفرة عند الجميع، لمنع انتقال المتاريس السياسية إلى داخل مجلس الوزراء·
وإذا لم تكن الرغبة الصادقة بإعطاء الأولوية المطلقة للمصلحة العامة، على كل ما عداها من حسابات المصالح الحزبية والأنانية، وتهيئة الأجواء المناسبة للانصراف إلى العمل الجدي في معالجة الملفات المعيشية المتراكمة·
فهذا يعني أننا أمام فصل جديد من مسرحية <الحكومات المتصارعة> حيث يفتح كل وزير على حسابه، ويروح يُطلق العنان للمشاغبات والمزايدات، ويلعب دور المعارض··· من داخل الحكومة!!·
فهل العودة إلى تلك المسرحيات المشاغبة واردة؟ ومن يتحمّل مسؤولية تعريض البلاد والعباد إلى تجاذبات وخلافات أثبتت التجارب المريرة حجم ضررها على أصحابها أولاً··· ثم على الاستقرار والاقتصاد ولقمة العيش ثانياً وثالثاً!·
* * *
القراءة السياسية للتطورات الإقليمية، في ظل مناخات التقارب العربي – العربي، لا سيما السعودي – السوري، وما سيتبعه على المستوى المصري، تُشير إلى وجود فرصة مهمة أمام الرئيس سعد الحريري لتحقيق انطلاقة واعدة لحكومته الأولى، تشبه انطلاقة حكومة والده الشهيد الأولى بعد انتخابات عام 1992، والتي حوّلت البلد الى ورشة إعمار وإزالة آثار الحروب العبثية··· مع فارق مهم لمصلحة الزعيم الشاب هو وجود الخطط الإنمائية الجاهزة وتوفّر تمويل أجزاء كبيرة منها، الأمر الذي يساعد على سرعة التحرك، وعلى تسريع الإنجاز·
ويبدو أن المرحلة المقبلة على المنطقة تتطلب، حسب الاعتبارات الإقليمية والدولية، توفير حالة من الأمن والاستقرار في لبنان، بموازاة جهود تبريد ملفات ساخنة أخرى في المنطقة، لا سيما الملف الفلسطيني، وذلك استعداداً لحسم مصير عملية السلام مع حكومة نتنياهو غير القادرة حتى الآن على مقاربة ملف السلام!·
والواقع أن هذا الدعم العربي والدولي الكبير للحكومة ورئيسها، يوفّر من جديد، فرصاً مهمة أمام الوطن الصغير للخروج من نفق الخلافات الداخلية إلى رحاب العمل المجدي وتعويض الفرص الضائعة في مرحلة الانقسامات، وتأمين الإمكانيات اللازمة لمعالجة الأزمات المزمنة من كهرباء ومياه، إلى إيصال مشاريع الإنماء المتوازن الى المناطق المحتاجة·
* * *
ومن غير المستبعَد أن تنعكس التطورات الإقليمية الإيجابية على المشهد السياسي اللبناني، الذي بدأت ملامحه تتغير شيئاً فشيئاً، بما يُنبئ باقتراب حصول عملية خلط أوراق سياسية، تُخرج البلاد من صيغتي 8 و14 آذار، بعد الاهتزازات القوية التي ضربت أسس التحالف في الجبهتين خلال المناورات والنقاشات التي رافقت تشكيل الحكومة الحريرية·
سيّد المختارة الذي سبق الجميع بتغيير تحالفاته خرج من جبهة 14 آذار، وينتظر <الإشارات الأخيرة> للتوجه إلى دمشق·
وحزب الكتائب أعلن انسحابه المبطّن أيضاً، رغم حرصه على البقاء في صف الأكثرية، وإلى جانب رئيس الحكومة سعد الحريري·
رئيس حزب الوطنيين الأحرار دوري شمعون يعتبر أن حلفاءه ظلموه أثناء المشاورات لتشكيل الحكومة، وعميد الكتلة الوطنية كارلوس إده ما زال <حرداناً> من رفاق انتفاضة الأرز·
وعلى الجبهة الأخرى، أصبحت المسافة أكبر من أي وقت مضى بين الرابية وبنشعي، والنائب فرنجية يتمسك بمواقفه التي تجسّد قناعاته، والتي تعارضت في الأسابيع الأخيرة مع توجهات العماد عون في إدارة دفة المفاوضات الوزارية·
كذلك الأمير طلال أرسلان، شعر بأن المختارة أصبحت أقرب من الرابية، وأن لا عوائق على طريق خلدة و <بيت الوسط>·
أما العلاقة بين عين التينة والرابية فلا تحتاج أكثر من مراجعة وقائع معركة جزّين الانتخابية، وتداعياتها المستمرة على العلاقات الشخصية بين الحليفين اللدودين!·
* * *
تحسّن الأجواء العربية، حضور الدعم الدولي، بروز مناخات التوافق الوطني، كلها عوامل إيجابية تشجّع الحكومة على مواجهة تحديات الانسجام والإنجاز، والعمل بسرعة على تعزيز الجبهة الوطنية وتصليب التماسك الداخلي، للتصدّي لأية مغامرة عدوانية جديدة قد تُقدم عليها حكومة نتنياهو لقلب طاولة السلام العرجاء أصلا، والهروب من الضغوط الدولية إلى الأمام، تحت شعار الثأر لهزيمة حرب تموز وضرب حزب الله!·
فهل تتقدّم أولويات الوطن··· على ما عداها من حسابات فئوية ومصالح انتخابية، ومنافع أنانية؟!·