لئلا "تُدفن" 14 آذار!
لم يسبق لقوى 14 آذار منذ نشأتها كائتلاف واسع لاحزاب وتيارات وشخصيات ان واجهت خطر تفككها على غرار ما تواجهه منذ اعلان حكومة الرئيس سعد الحريري قبل اسبوع وكأن هذه القوى لم تقو بفعل ضعف بنيوي داخل صفوفها وشراسة التعقيدات التي اعترضت طويلاً تأليف الحكومة على مواكبة انجاز تبوؤ زعيم الغالبية منصب رئاسة الوزراء.
في الشكل المباشر، تبدو هذه الصورة مثيرة للصدمة فعلاً لدى قواعد شعبية لا تزال حتى الآن تعكس معادلة ولا اغرب، اذ لا يزال مزاج 14 آذار غالباً في معظم الاستفتاءات الانتخابية وسواها واغلب الظن انه ذاهب الى مزيد كلما تراءى للناس ان كثيراً من هواجس استحضار حقبات النفوذ السوري يعود اما بتسلل واما بفعل ترتيبات مقصودة علنية تمليها دوافع تسوية خارجية – داخلية رفعت عالياً عنوان التأثير السوري "الحميد" في استيلاد التسوية والحكومة. ومع ذلك لا يمكن تجاهل المفارقة الاغرب التي رافقت "الاحتفالات" بولادة الحكومة، والتي تصاعدت معها ألحان "جنائزية" تستعجل دفن 14 آذار على وقع مجموعة مؤشرات واستحقاقات مبرمجة توحي كأن "أفول" هذا الائتلاف الاكثري السيادي في اطاره المبدئي والسياسي، هو الثمن الضخم او الضحية الكبرى لحكومة يرأسها زعيمه.
والحال ان ما يساهم في تكريس هذا المفهوم الطارئ الخطير، ولو غلب عليه الطابع الدعائي، هو القصور الهائل لدى فريق 14 آذار في ادارة المرحلة الاخيرة من ولادة الحكومة واستتباعاً عدم تبين برنامج واضح لديه لمواجهة ما بعد الولادة، بصرف النظر عن مواقف كل من قواه واحزابه وشخصياته من البيان الوزاري المطروح قيد الصياغة. فالمسألة تتعلق بنقطة حصرية محجوبة تماماً عن مشهد "نعي" حلفاء سوريا وقوى "السلطة الجديدة" من فريق "المعارضة السابقة"، لقوى 14 آذار، وهي هل لا تزال هذه القوى قادرة على الاضطلاع بالمسؤولية الرسمية والحفاظ على اطارها التنظيمي والمبدئي والسياسي في آن واحد، كشريكتها السلطوية الاخرى الآتية الى الحكم بمجموعة مكاسب فرضتها بقوة الامر القاهر؟
تصاعدت من صفوف قوى الغالبية تحديداً ظاهرة الاعتراض الكتائبي على الحكومة، منظومة هجاء لتجربة هذا الفريق فاقت بشراستها المعجم الهجائي لقوى معارضة الامس بأشواط، وحملت معها "العلة" الام التي يعاني منها فريق الغالبية منذ زمن غير قصير وتحديداً منذ "اجتياح" 7 ايار 2008، المتصلة بتفجر ذاتيات قوى هذا الفريق وخصوصيات كل منها امام عصف ذاك الحدث. وجاء التفتق الجديد على يد حزب مسيحي ليمحض من حيث اراد ام لم يرد الزعيم الدرزي وليد جنبلاط براءة ذمة في خروجه من فريق 14 آذار في 2 آب الماضي.
ولم يقف الامر عند هذا الحد، بل تطرح "صياغات" افتراضية متطورة لمسار التعامل مع ملف العلاقات اللبنانية – السورية يشوبها الكثير من المزالق الخطرة ان قيّض لهذا المسار ان يمضي بمعادلة اختلال التوازن الداخلي وتراجع فريق 14 آذار وتقهقره عن تعويض هذا الخلل. فإذا كان من الطبيعي ان يهلل بعض حلفاء سوريا صراحة وجهراً لنشيد "تحريضي" يشكل ذروة طموحاتهم وهو دفن قوى الغالبية واجهاض نتائج الانتخابات بالضربة القاضية، فإن التسليم بهذا المنطق لا يوازيه واقعياً سوى التهليل لعودة النفوذ السوري مقنّعاً او "مهذباً" وبقفازات هذه المرة. ربما تكون المفارقة الطارئة في هذا المجال ان سوريا نفسها باتت ترسم لنفسها ولنفوذها خطوطاً حمراً بفعل عوامل سورية ودولية واقليمية ولبنانية اكثر من غلاة محبيها والغيارى عليها. ولكن ذلك لن يوفر الضمان الكافي للفريق "السيادي"، الذي يقف عند مشارف الهاوية، ان لم يستدرك الخلل المزدوج القاتل في منع "دفن" 14 آذار واقامة توازن الحد الادنى الداخلي الذي يحول دون استعادة كل ما ينتظره المتحرقون للوراثة.