فيوليت ناصيف: رجع البطل… غازي عاد: احتمال ان تكون جثة جوني نقلت من سوريا الى وزارة الدفاع
كتبت منال شعيا في "النهار": لم تشعر فيوليت ناصيف مرة بان ابنها جوني سيكون في عداد المدفونين في مقبرة وزارة الدفاع في اليرزة.
إحساسها أنبأها دائما بانه لا يزال حيّا، وبانها ستستقبله يوما. ستقيم له عرسا في دبل، فهو بطل من ابطال الجيش الذي خاض "حرب التحرير" ضمن كتيبة الـ102 في ضهر الوحش".
منذ 13 تشرين الاول 2005، التاريخ الذي نشرت فيه "النهار" التحقيق عن وجود مقبرة في اليرزة، وتتابع فيوليت الموضوع بالتفصيل. تواسي الاهل، تمدّهم بالقوة والصبر، وتدفعهم الى متابعة الملف حتى النهاية، لكن امرا واحدا لم تفعله تلك الام، هو فحص الحمض الريبي النووي.
مضت اربعة اعوام قبل ان تخضع للتحاليل فيصلها الخبر المفجع.
كانت دائما تردد: "جوني عايش، ولن اجري الفحص (…)".
اكثر من 19 عاما، وفيوليت لم تخش شيئاً. مشت بين القنابل. اجتازت المعابر لترى ابنها العريف في الجيش، يومها كان لا يزال في ضهر الوحش في صفوف المواجهة، وعمره فقط 16 عاماً.
قبل يوم من حوادث 13 تشرين الاول، رأت فيوليت جوني، وكانت المرة الاخيرة قبل الاعتقال. يومها تخطت الحواجز والقصف والمعارك، حاملة له الطعام والالبسة، لتمتّع عينيها برؤيته وبملامسة وجهه.
بعدها، بدأت الرحلة الطويلة من المعاناة. مرارة حفرت عميقا في قلب هذه الام. لم تترك مستشفى الا قصدته. ولا براداً الا فتحته. تحاملت على نفسها علّها ترى جثة ابنها "البطل". عاينت اكثر من 30 جثة لتتعرّف الى علامة فارقة في سرّته ولم تفلح.
هذا ما روته لـ"النهار" في 14 تشرين الاول 2005. قالت: "مشيت في حقول عاريّا والكحالة. ظننت ان جوني وقع هناك، تحولتُ كلب صيد وركضت وحيدة".
كانت دائما تردد: "ابني لم يمت، لكنه اصبح اصغر المعتقلين".
في لبنان والخارج، لم تترك فيوليت وسيلة الاّ اعتمدتها. اعتصامات، تظاهرات، ندوات ومؤتمرات شاركت فيها لتقول عبارة واحدة: " بدّي ابني… وينو جوني"؟
في بداية التسعينات، اسست مع صونيا عيد (والدة المعتقل العسكري جهاد عيد) "لجنة اهالي المعتقلين في السجون السورية"، وبدأت زيارة عدد من دول العالم، وبين يديها الصورة الشهيرة لجوني يرتدي كنزة كتب عليها "اسرعي". كانت فيوليت تستشهد دائما بهذه الكلمة، فتعتبرها طلبا من ابنها كي تسرع في التفتيش عنه، فتردّه الى حضنها.
ما من لبناني الا يتذّكر فيوليت. على شاشات التلفزة، وفي التحقيقات الصحافية والمقابلات الاذاعية، كان صوتها الاعلى، قالت يوما: "الدولة تركتنا نفتش بين الجثث عن اولادنا، وتخلّت عن جيش وطني دافع عن بلاده".
ولطالما كان اصرارها على ان جوني ليس ميتا، مرفقا بمستندات رسمية تفيد انه في السجون السورية. مرارا، ابرزت الوثائق وبطاقات الزيارة لسوريا، لتؤكد انه ليس في عداد المدفونين. زيارات متتالية قامت بها، وكانت في كل مرة تؤكد انها رأت ابنها هناك.
وفي احدى المرات، ابرزت برقية صادرة عن قيادة الجيش في 27 – 12- 1990، اي بعد حوادث 13 تشرين الاول، تفيد انه وخمسة عسكريين آخرين غير متوفين، وكان اسمه الاول بينهم، وقد عممت هذه البرقية على كل الوحدات.
جهد فردي بذله الاهالي واللجان المعنية، ولم يقابلوا الا باهمال تلو الاهمال، وابتزاز تلو الآخر، دفعت اموالاً كثيرة، لانها لا تريد سوى عناق ابنها. لم تسأل يوما عن حجم المبالغ، ولم تفكر في نفسها او مرضها او تعبها. ناضلت حتى ترتاح، ولكن، هل كانت تدري ان الراحة ستكون قاسية ومرّة؟!.
قبل نحو شهرين، عادت فيوليت من اوستراليا. وفجأة، قررت ان تجري فحص الحمض الريبي النووي. وقبل يومين، اظهرت التحاليل ان احد الرفاتين المجهولين اللذين لا يزالان في اليرزة، يعود الى جوني.
بالامس، كان يصعب على فيوليت التكلّم. باكرا، قصدت المستشفى العسكري لتسلّم الرفات، قبل ان تنتقل الى بلدة دبل لتقام مراسم الدفن.
في الاساس، لم يعد للكلمات معنى. بكت فيوليت ثم صرخت: "رجعت عريس يا ابني…"، ركعت مراراً امام النعش وحولها تجمع عدد من الامهات، رفيقات النضال والمعاناة، من صونيا الى جانيت خوند وأخريات.
لفيوليت خمسة أولاد، اربعة منهم في الخارج، وجوني مفقود، والان شهيد. لم تستطع تذكّر عيد ميلاده في 27 ايار 1974. اما اليوم فقد بات لجوني عيد آخر: 15 تشرين الثاني 2009، اي قبل ايام من عيد الاستقلال، عاد العريف في الجيش رفاتاً، شهيدا الى مسقطه.
"احلى ايام عمره مضت، ووالده لا يأكل الخبز لانه ينتظره". هكذا تخبر فيوليت، وتقول: "ما فيني كفّي. تعبت".
تعبت الام. صمتت فيوليت بعد كلام طويل وكثير… اعوام طويلة مرت عليها وعلى زوجها سالم وهما يعيشان وحيدين، على ادوية الاعصاب.
خبر جوني نزل كالزلزال على اهالي المعتقلين. الامهات فوجئن. رئيس لجنة "سوليد" غازي عاد بدا متماسكا كالعادة، وقال لـ"النهار": " ما حصل بالامس كان نتيجة نضال ام عرفت الحقيقة، ولو موجعة. ان الدولة مسؤولة عن الحد من الاهمال وتشكيل هيئة وطنية، حتى لا يبقى ملف الاخفاء القسري، سواء في لبنان او في سوريا، يعالج اعتباطياً. لا بد من آلية جدّية لانهاء الملف".
واشار عاد الى "احتمال ان تكون جثة جوني نقلت آنذاك الى وزارة الدفاع بعد وفاته في سوريا، لان قيادة الجيش كانت تبلغ فيوليت عبر برقيات انه في عداد المفقودين وليس المتوفين، من هنا، نسأل، لماذا هذا الضياع والتلاعب بمشاعر الاهالي وحرقتهم؟".
مرة، قالت فيوليت: "لو وضع المسؤولون انفسهم مكاننا، ماذا كانوا ليفعلوا أمام معاناة كتلك التي نعيشها؟ ما عندن ضمير؟ ما عندن رب؟. انا ابني بطل. هم صغار. هلقد. ابني بطل. بس وينو البطل اليوم؟".
… امس همست فيوليت: "رجع البطل".