#adsense

العونيون… مسيحيون ينتحرون !! (الحلقة الأولى)

حجم الخط

الحلقة الاولى: لا يمكن لأحد أن يدّعي تمثيل المسيحيين وهو يعادي بكركي

مرّ في تواريخ الشعوب قادة وزعماء لم تظهر حقيقة جنوحهم العسكريتاري الذي أدّى بنهاية مطاف محطته الى التملّك بمرض البارانويا أي مرض "العظمة" واذا ما دللّنا على أمثلة لم يمرّ عليها الزمن، لاستعدنا تجربة أدولف هتلر مطلق التيار النازي، وتجربة بينيتو موسوليني مطلق التيار الفاشي … وفي المثالين تظهر الشعبوية والجماهيرية والتعبوية، وهذه كلّها مفردات تدلّ على معنى الجمهور الواسع والعريض لهذين الزعيمين اللذين عمّما التاريخ بصفحات أمجادهما ولكن الأمجاد المدمرة والكارثية.

وعندنا في لبنان، تجربة معاصرة، لم يعرف تاريخنا السياسي مثيلاً لها على مستوى الجنون والجنوح باتجاه إنتحار الذات ونحر المصير وحرق الأصابع وتبديد المال وهدم سقف المنزل …

وتعالوا معاً نغوص في تجربة المسيحيين الأخيرة، وأعني بها منذ العام 1988 وحتّى اليوم، إنطلاقا من معادلة وجوب أن يكون المسيحيون في لبنان أصحاب رأي وفكر وليسوا مجرد قطيع يُساق بشكل أعمى، بحيث يُصار التصفيق للزعيم بشكل مطلق ودون أيّ جردة حساب لما قدّمه وأنجزه على المستوى العام الوطني. ونسأل اصحاب هذه التجربة التي انطلقت منذ العام 1988 اي العونيين: ماذا ستورثون أحفادكم غير الحقد والكراهية ضدّ بكركي والقوات اللبنانية؟

نعم، يجب الإعتراف بثعلبية النائب ميشال عون وبنجاحه في إستجرار جزء كبير من المسيحيين الى ملعبه الخاص الذي يتفرّد باستعماله منذ الثمانينات، وهو كان له ذلك بنتيجة التصرفات الشاذة لبعض عناصر غير منضبطة في "القوات اللبنانية" وقبلها في صفوف "حزب الكتائب" وكافة الأحزاب المسيحية التي كانت تستقرّ في المنطقة الشرقية. ومع نمو حجم "القوات اللبنانية" وتحوّلها شيئا فشيئا من مجموعة عسكرية أخذت على عاتقها مهمة الدفاع عن الشرقية وبشكل عام عن المناطق المسيحية، لتغدو مؤسسة بدأت بالبروز مع تولّي الدكتور سمير جعجع لقيادتها على أنها صاحبة مشروع نهضوي مع ما رافق إعادة هيكلتها من تطعيم جسمها الأساسي بمؤسسات رديفة على المستويات كافة لا سيما منها على المستوى الاجتماعي والانمائي والصحّي والطبّي. وأنا شخصيا لم أعلم إلاّ متأخرا بأنّ هذه "القوات" كانت بدأت من عندياتها بتغطية نفقات عمليات جراحة القلب المفتوح، طبعاً في غياب الدولة اللبنانية، وكذلك قيامها بتزفيت بعض الطرق، وهذه لم تكن تبرز في وسائل الإعلام المملوكة من القوات وقتذاك، والى ما هنالك من خطوات إدارية مؤسساتية قامت بها في حقبة ما قبل توّلي العماد ميشال عون سدّة رئاسة الحكومة الانتقالية … وهذه الشواهد التي أذكرها لم آتِ بها من باب الترويج الدعائي لـ"القوات"، بقدر ما هي وقائع ثابتة حصلت وكانت مخفية عن مشاهداتنا، بقدر ما لعب عون لاحقا دور المبرمج الدعائي للشوائب التي كانت تعتري جسم "القوات" ومنها على سبيل المثال تصرفات بعض العناصر وتجاوزاتهم، ليطلّ على المسيحيين وليؤشّر على العورات. ولكن هل سأل أحد منّا نفسه اليوم سؤالا منطقيا ـ محوريا مفاده: كيف للعونيين أن يصفحوا..أن يسامحوا.. أن يتناسوا.. أن ينسوا.. ما فعله بنا السوريون وأعوانهم حتّى ينتقلوا من حالة العداء المطلق للنظام السوري الى حالة الوئام والانسجام وصولا الى درجة إصدار صك براءة شامل عن كلّ ما إرتكبه السوريون.

على لسان العماد ميشال عون؟؟

وفي هذا الإطار، إستوقفني أحد مسؤولي التيّار في مقابلة له على إحدى المحطات التلفزيونية زمن الانتخابات النيابية، حيث بادرته المذيعة بسؤال: "كيف تسامح سوريا ولا يمكنك أن تتصالح وأن تسامح القوات اللبنانية وبكركي؟".

جواب الضيف: "لمعلوماتكِ أنّ السوريين قتلوا والدتي بقذيفة صاروخية، ونسيت، وسامحت أمّا فيما يخصّ القوات وبكركي فالموضوع مختلف".

نعم هذه عيّنة من كمية الحقد المزروع في صفوف فئة من المسيحيين، تنامى في عقولها ووجدانها حقد دفين على رأس الكنيسة، وعلى مجموعة مسيحية، لن أقول انها لعبت خلال الحرب لعبة الصليب الأحمر أو جمعية مارمنصور دي بول.. ولكن على الأقل دعونا نعترف بأننا بالدرجة الأولى نحمل هوية مشتركة هي الهوية اللبنانية، ومن ثمّ نتشارك دين التسامح والمحبة، وهو الدين المسيحي الذي قامت عقيدته أساسا على عقيدة الغفران والمحبة، "أحبب عدوك كما أخاك".. وهنا ليس المطلوب محبة العدو، ولكن على الأقلّ، إستعمال لغة التواصل فيما بيننا، أن نكون إنسانيين قبل أن نسيّس ضمائرنا.

فهل مقبول كلام هذا العوني الذي قتل والدته السوريون وهو يعلن أنه سامحهم، ولا يمكنه أن يصفح أو يتصالح مع أهله وجيرانه؟ لا يمكنه أن يرى في بكركي إلاّ مصدر إزعاج سياسي لزعيمه، كون هذا الزعيم يريد للكنيسة أن تكون بخدمته، سياسيا، وليس العكس؟

من هنا نتحسّس خطورة ما زرعه العماد عون في صفوف المجتمع، إذ حرَم الناس من التنعّم بهناء الإستقرار الديني.. ذلك أنّ بعض المسيحيين، أو الفئة التي تؤيد عون تعادي الكنيسة، لأسباب مجهولة عليهم، يكرهون البطريرك ليس لسبب سوى أنّ زعيمهم يكرهه.. وقد إنتشرت في صفوف هؤلاء لغة واحدة يعممونها على بعضهم البعض، هي لغة الإزدراء من رأس الكنيسة، والقذف باتجاهه بأبشع الألفاظ والعبارات.. لذا نقول إن لم يكن للمسيحيين كنيستهم، إن لم يكن للمسيحيين رأس لتاريخهم الديني، فماذا سيكون لهم اذا؟ ويبقى السؤال ماذا بعد زعيمهم؟ وماذا سيكون مصير أحفادهم في حال تلقوا هذه الثقافة العدائية ضدّ الكنيسة؟ وما هو مصير المسيحيين في لبنان بعد عشر سنوات من الهوّة والشرخ الكبيرين اللذين صنعهما عون؟ ولكن ألم يخبر عون مناصريه أنه، وهم معه يحملون الهوية اللبنانية بفضل البطريركية المارونية؟

ألم يخبرهم أن البطريرك صفير رفض الإذعان للسوريين، وحمل المشعل في أيلول العام 2000 عبر النداء الشهير للمطارنة الموارنة؟ ألم يخبرهم أنّ البطريرك صفير وترسيخا" للديمقراطية قال للمسيحيين بعد نتائج انتخابات الـ 2005 ، وبعد أن حصد عون ما نسبته 70 % من التمثيل المسيحي: يا مسيحيون صار لكم زعيمكم ..

وللتاريخ نستذكر هذه المحطات: قلنا بانتخاب رئيس بالنصف زائدا واحدا، رفض البطريرك صفير هذه المعادلة.. بماذا ردّينا عليه؟ نحن نلتزم.. التزمنا بصوت البطريرك.. فلم نجرّح ولم ننتقد ولم نهاجم الصرح ولم نهين ولم نتهّم..

قلنا بنية إسقاط اميل لحود من بعبدا عبر حملة "فِلّ"، فكان للبطريرك موقفا" حازما"، حاسما"، مفاده أن رئيس الجمهورية اللبنانية لا يتمّ إسقاطه في الشارع، يترك القصر متى تنتهي ولايته.. وهنا أيضا كان ردّ قوى "14 آذار" بمزيد من الإلتفاف حول رأس الكنيسة ..

إنطلاقا مما ذكرناه، لا يمكن إستعمال بكركي لمآربنا السياسية، فنواليها يوم تتطابق مواقفها معنا، ونعاديها يوم تطلق مواقف تتناقض مع طموحاتنا؟ دور بكركي أكبر من كلّ التجاذبات السياسية، ودور بكركي ليس موقتا ولا هو ظرفي، دور بكركي ريادي ـ تاريخي ، دور لكلّ الأزمان ولكلّ الأجيال.. ومَن لم يفقه بعد حتّى الساعة دور البطريركية المارونية، فهو يجهل التاريخ، وبالتالي يجهل موقعية لبنان. فالبطريركية المارونية متلازمة مع لبنان، وهما يتكاملان، ومن دون بكركي يفقد لبنان ميزته وريادته .. و… رسالته .

لذا صارَ واضحا" ، أنه لا يمكن لأحد أن يدّعي تمثيل المسيحيين، وهو يعادي بكركي. 

لقراءة باقي الأجزاء:        

 

المصدر:
كتاب

خبر عاجل