تناقضات محيّرة بين المعطيين الإقليمي والداخلي ؟
ثمة مؤشرات مثيرة للارتياح (النسبي) وللقلق على حد سواء يتعيّن التوقف عندها قليلا:
1 – فيما يحتدم الواقع الاقليمي في كل مكان، تبدو الساحة اللبنانية، بعكس المسار الاعتيادي، متجهة نحو شيء من التطبيع الداخلي من دون ان يعني ذلك بالضرورة تطبيعا راسخا. والتطبيع الذي نعنيه هنا هو تطبيع داخلي يأخذ اشكالا عدة، منها التهدئة السياسية الداخلية التي ميزت في شكل او آخر مرحلة تشكيل الحكومة، ولم تَحُلْ العثرات والاخفاقات السابقة دون استمرار حالة التهدئة العامة، وقد مر الأمر بخير وخصوصا على الصعيد الاقتصادي. ومن جهة اخرى اتسم التطبيع في المنحى الأهدأ الذي تتجه نحوه العلاقات اللبنانية – السورية بعدما انعكس عليها المعطى السعودي – السوري المستجد في اعقاب قمة دمشق التي توّجت تفاهمات في لبنان وامكنة اخرى كما بدأ يلوح في الافق.
2 – يعطي "حزب الله" انطباعا انه يُؤْثِر الانكفاء في الداخل (الى حد معين) بدءا بتصديه من خلال دعوته الدولة اللبنانية الى تحمّل مسؤولياتها في مكافحة الجريمة المنظمة والرذيلة والمخدرات في مناطق نفوذه، حيث تبين ان حالة الانفلات والتفلت الامني، وغياب القانون وتفشّي السلاح المليشيوي بدأت تنخر في جسم ما يسمى "مجتمع المقاومة" الذي اثبت انه لا يختلف عن غيره من المجتمعات متى استشرت في داخله مغريات الحياة العادية. وكانت فضيحة الفضائح قضية افلاس رجل الاعمال صلاح عزالدين الذي قيل انه مرتبط بالحزب او ملتصق به، وقد عجز عن الاستمرار في اللعب في ملعب الكبار ماليا ومن خارج النظام المالي الرسمي. ولعل خطاب الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله الذي ركز فيه على المسائل المشار اليها آنفا يعكس الكثير من القلق لدى القيادة التي ارتأت اليوم ان تلقي بالحجر الثقيل في حضن الدولة تلافيا لغرقها في اداء دور الشرطي الصغير في احياء الضاحية وبعلبك وغيرها من مناطق النفوذ. ومهما قيل، فإن موقف نصرالله ينمّ عن فشل في الحلول مكان الدولة. ولكن نصرالله المنكفئ دعا في ما دعا اليه الحكومة الى تجنب القضايا الخلافية والعمل على القضايا الحياتية، فكانت الدعوة الى ان تكون حكومة لبنان مجلس بلدية ممتاز، وهذه مشكلة، وخصوصا ان قضية السلاح مطروحة ولا يمكن سحبها من التداول، ولا يمكن التعامل معها على انها غير موجودة او أنها لا تمثل تهديدا للبنانيين قبل غيرهم. وفي هذا الاطار، نتوقف عند التقارير الواردة من الجنوب اللبناني والتي تتحدث عن قلق كبير من المرحلة المقبلة، وعن احتمالات حرب يتصرف "حزب الله" على انها قريبة، لا بل قريبة جدا. ولم يخفف كلام نصرالله الاخير هواجس الناس، وهو يغرق في الحديث عن الحرب البرية وكيف ان حزبه سيبيد الفرق الاسرائيلية في الحرب المقبلة!
3 – الصورة في ايران غير واضحة. ثمة حرب بالواسطة مع السعودية وهي محتدمة. كما ان هناك توجها دوليا لمزيد من الضغوط على طهران التي تتهرب من التزاماتها الدولية بالنسبة الى اتفاق فيينا في شأن نقل الاورانيوم الايراني الى الخارج ليتم تخصيبه. وقد كان لافتا التوافق الاميركي – الروسي بالنسبة الى نفاد الوقت امام ايران. كل هذا والاسرائيليون يتابعون التحضير لحرب مع ايران لا احد يعرف ما اذا كانت ستكون مباشرة ام انها ستبدأ بالذراع الايرانية في لبنان.
هذه بعض المؤشرات المحيطة بالواقع اللبناني الذي يبدو للمرة الاولى انه على نقيض الواقع الاقليمي المتفجر يعبر مرحلة تطبيع. فهل ينجح اللبنانيون في استغلال الفرصة لتثبيت التهدئة والعبور منها الى توافقات حول مشروع الدولة؟