#adsense

انتقام الشهيد

حجم الخط

انتقام الشهيد

أول ما سيتبادر الى ذهن كل لبناني، حين تحط طائرة رئيس الوزراء الخاصة في مطار دمشق الدولي، هو الاعجاب بقدرة سعد الحريري على الفصل بين شكوكه السياسية وواقع المصلحة الوطنية، لمصلحة التأكيد انه رجل دولة بامتياز وهمه الاول لبنان.
قد تكون الزيارة قبل البيان الوزاري ونيل الثقة النيابية بالحكومة الوليد، وقد تكون بعدهما وهو الامر الارجح. كما قد تكون بدعوة من رئيس الوزراء السوري، او بمبادرة من الرئيس الحريري وهي الحال الارجح. وفي كل الاحتمالات، فان الرئيس الحريري، ابن الرئيس رفيق الحريري، يتميز في ما يتميز به بالمبادرة والمبادءة والهجوم، بالمعنى الايجابي دائما، فكيف وهو في سدة المسؤولية؟

ما خلفته السنوات الاخيرة، منذ اغتيال الرئيس الشهيد، لم يكن سوى انتظار العودة الى سكة النهوض الاقتصادي والاجتماعي، وهذه لا تفتح طريقها الا بحملة علاقات عربية ودولية، على النهج الذي كان الرئيس الوالد اختطه في تسعينات القرن الماضي.
لا تقع زيارة سوريا خارج هذا الاطار على رغم كل ما شاب العلاقات بين الدولتين في المرحلة السابقة، وبقيامه بها يؤكد الرئيس الحريري تمايزه بالحرص على ألا يبخل على لبنان "بأي خطوة تفتح امامه طريق الاستقرار واعادة الاعتبار للدولة والنظام الديموقراطي وتجديد الثقة باتفاق الطائف"، كما اعلن من قصر بعبدا عند التكليف الاول قبل خمسة اشهر ونيف.
ما يرفد موقف سعد الحريري هو اقراره، واقرار طاولة الحوار، بالفصل بين العلاقات اللبنانية – السورية والمحكمة الدولية، التي باتت عمليا وواقعيا خارج النقاش الداخلي، وحتى العربي والاقليمي.

وما يعطي هذه الزيارة صبغة خاصة ان من يقوم بها هو رئيس حكومة كل لبنان، وتؤكد، في ما تؤكده، ما طالب به اللبنانيون منذ 14 آذار 2005، اي العلاقة الندية بين البلدين على قاعدة المصالح المشتركة، ضمن منطق العلاقات الدولية وقوانينها والاعراف الديبلوماسية، وبما يؤكد ان لبنان لا يحكم من سوريا، كما لا يحكم ضد سوريا، وهو ما كان اكده الرئيس الشهيد تكرارا، ولا سيما في تصريحه لاحدى الصحف نشر يوم استشهاده، وما يؤمن به اللبنانيون جميعاً من دون استثناء.

قد لا يكون للزيارة جدول اعمال مباشر، لكنها سترسي، ولا شك، بنود حوار بين الدولتين، تبدأ من تفعيل العلاقات الديبلوماسية، التي لم تزل في مرحلة المظهر، ولا تنتهي عند ترسيم الحدود ومتابعة قضية المفقودين والمعتقلين السياسيين ومنع تهريب الاسلحة وغيرها، مرورا بالسلاح الفلسطيني خارج المخيمات.

ولعل ما يلفت، اقليميا، ان الزيارة تتوج مرحلة مصالحة عربية رفع لواءها الملك عبدالله بن عبد العزيز في قمة الكويت، وتجلت في أوضح صورها بتخطي لبنان مرحلة الانتخابات النيابية في هدوء، وتشكيل الحكومة في اطار من التشاور، ممل أحيانا، لكنه مثمر دائما.
إن أي مراجعة للسنوات التي أعقبت الانسحاب السوري من لبنان تؤكد أن الزيارة كانت ضرورة وحاجة وطنية لضمان سلم البلد وانطلاق مؤسساته، وليس من داع للعودة الى الوراء للتذكير بما قام به البعض على مستوى تعطيل البلد والحؤول دون تطوره تحت شعارات غوغائية.

بعد الزيارة، سيكون ممكنا القول إن الرئيس الشهيد رفيق الحريري انتقم من قاتله مرتين: الاولى حين عاد الى السرايا في شخص نجله سعد الحريري، والثانية حين كرست الزيارة مبدأه ان لبنان لا يمكن ان يحكم ضد سوريا، كما لا يمكن ان يحكم من سوريا. وبعد الزيارة ايضا ستكون مهمة الحريري الابن الكبرى، وبعناوين وانجازات متعددة، استعادة ثقة اللبنانيين بالدولة.

لعل عليه عندها ان يتذكر قولا من الفكر السياسي للفيلسوف والمؤلف "مونغ فو تزه" الملقب بـ"كونفوشيوس" (عام 551 قبل الميلاد) والذي كان والده ينقل عنه مثل تعليم الجائع الصيد بدل اعطائه سمكة. يسجل كونفوشيوس في أحد كتبه حوارا بينه وبين تزه كونغ عن المجتمع والحكم، فيحدد في بدايته مهمة الدول ودور الحكومة، أي حكومة، بأنها في تحقيق ثلاثة أمور: ان يكون لدى الناس كفايتهم من الطعام، وكفايتهم من العتاد الحربي والثقة بحكامهم.

ويسأل تزه كونغ كونفوشيوس عن الامر الذي يمكن التخلي عنه اولا اذا كان لا بد من الاستغناء عن أحد الامور التي على الحكومة تحقيقها، فيجيب كونفوشيوس: إن الامر الاول الذي يمكن التخلي عنه هو العتاد الحربي.

ثم يسأل تزه كونغ عن أي أمر من الامرين الباقيين يمكن التخلي أولا، فيجيب كونفوشيوس: "فلتتخل عن الطعام، ذلك ان الموت منذ الازل قضاء محتوم على البشر، أما اذا فقد الناس ثقتهم بحكامهم فلا بقاء للدولة".

ثقة اللبنانيين بحكامهم لا تعيدها الا الانجازات، وذلك يكون بأن تصب الحكومة جهدها لحل مشكلاتهم الحياتية من الكهرباء في كل لبنان الى جبال النفايات على طول الشاطئ، والحريري ليس بعيدا عن ذلك.

المصدر:
النهار

خبر عاجل