
فريق برتقالي يحاول "الإصلاح والتغيير" وآخر يفضل الانسحاب.. في "التيار الحر" من يسأل: توزير كفاءة غير حزبية خطأ أم إضافة؟
كتبت ملاك عقيل في صحيفة "السفير": «إذا كان بدّك تتوزّر باسم «التيار» بـ2013 ما إلك إلا تبعت الـC.V عند فرنجية أو هاغوب أو حدادة أو حردان ويمكن قانصوه… وما تنسى تحسّن خبرتك».
رسالة قصيرة وصلت إلى الهواتف الخلوية لعدد من اللبنانيين بعد يوم واحد من تثبيت العماد ميشال عون مرشحين اثنين غير ملتزمين بـ«التيار الوطني الحر» لتولي حقيبتي الاتصالات والسياحة اللتين أسندتا إليه في التركيبة الحكومية الجديدة.
هي «مزحة» عونية أو رسالة «مفخخة» من طابور ثالث دخل على الخط بين «الجنرال» وقاعدته «البرتقالية»؟ لا يهم. الأهم ان المضمون «الكاريكاتوري» للرسالة وضع الأصبع على «الجرح» العوني المفتوح منذ رجوع «الجنرال» من المنفى… موقع «القوات اللبنانية» يحسن استغلال غلطة الشاطر معنوناً «الجنرال ينعى الكفاءات داخل «التيار الحر»… قبل ذلك، كانت ماكينة اعلامية سياسية تتولى تسريب أسماء مرشحي «التيار» للوزارة في محاولة لاحداث بلبلة داخلية لمناسبة تأليف الوزارة.
هي من المرات النادرة، وقد تكون الاستثنائية، التي تجد فيها شريحة كبيرة من «البرتقاليين» متنفساً لها على موقع «الأعداء». نعم هذا صحيح. برأيهم، «الجنرال» ينعى ذخيرة الكفاءات الشبابية في «تيار» الأكثرية الساحقة من الملتزمين فيه من أصحاب الاختصاص والخبرات في مجالات متعدّدة… تصل إلى حد التنقيب عن النفط! كل ما كان ينقصهم هو القرب الجغرافي من الرابية، ليس ليقدموا سيرهم الذاتية إلى «القائد»، إنما ليتسنى لهم فتح نقاشات بناءة مع «مركز القرار» حول الإمكانيات «التقنية» التي يمكن أن يضعوها بتصرف … «المشروع الإصلاحي التغييري» وزعيمه.
لا ينكر عون، كما الدائرة المؤثرة المحيطة به، وجود خلل في العلاقة بين القاعدة، المتلهفة لإطار تنظيمي «يكودر» قدراتها، وبين رأس الهرم. هذا بالتحديد ما دفع «سيناريو التواصل»، بعيد الانتخابات النيابية، بين الوزير جبران باسيل ومجموعة من العونيين «الإصلاحيين» يتقدم على «سيناريو التجاهل» وسياسة «الأذن الطرشاء». بقيت جلسات الحوار المفتوح على قلتها أسيرة الظروف السياسية، وهكذا تكفّلت مجريات تأليف الحكومة باحداث أزمة ثقة على صعيد مشروع التقارب بين «برتقاليي» الصف الواحد، وصبّت الزيت على نار بعض التساؤلات المحتدمة داخل «التيار» نفسه… وأهمها لماذا لا يبدأ مشروع «الإصلاح والتغيير» من الداخل وماذا ينقص «التيار» حتى يبادر الى وضع معايير تكون هي الأساس، كما هي الحال مع جميع القوى التي تمثلت في الحكومة وفق معايير محددة (يمكن أن يستثنى أيضا «تيار المستقبل»)؟
التشكيلة العونية المعلنة من الرابية بدت بعيدة، بنظر البعض، عما أسمته «المفهوم التغييري لعمل «التيار»… حصلت «مفاوضات على مدى خمسة أشهر كان الهدف منها حماية الحقوق… لكن أين «حقوق شباب «التيار؟». تدافع الرابية بقوة عن خيارها الحكومي معتمدة على السير الذاتية للوزيرين شربل نحاس وفادي عبود. الأول شكّل في الفترة الماضية «البوصلة» الاقتصادية لرؤية الرابية للملف المالي الشائك. خبير اقتصادي «مسيّس» من الطراز الأول، يحمل عقيدة يؤكد كثيرون أن «منبعها» اليساري سيشكل ما يشبه «الرقيب» على العقيدة «الحريرية ـ السنيورية» المتأصلة في سياسات الحكومات المتعاقبة منذ العام 1992.
يجزم المقرّبون من الرابية أن دور شربل نحاس في الحكومة سيمتد عملياً الى خارج «دائرة الاتصالات»، ليشكّل ما يشبه «وزير الظل» لريا الحسن وزيرة المالية. هذا الأمر كان العماد عون أكده بنفسه عندما أشار الى معادلة «الموافقة بالنقاش (التوافق) وليس بالإجماع»، وكان من الواضح أن تحفّظ سعد الحريري على وجود نحاس في الحكومة حوّله الى «باسيل2»، لناحية تمسك عون به، والعارفون يقولون «أن عصراً جديداً من الخصخصة قد بدأ، قوامه استنفاد طاقات القطاع العام أولاً…».
الثاني، وجد بحكم «الظروف القاهرة» لضغط الحليف الأرمني، في السياحة بدلاً من الصناعة. في الحسابات العونية رئيس جمعية الصناعيين فادي عبود طاقة يمكن استثمارها في أكثر من مجال. باختصار عون مؤمن بإمكانية العمل على «صناعة سياحية»، تحوّل القطاع الى تجارة مربحة للدولة، وليس مجرد «استعراض عضلات» على موائد الغداء والعشاء، بعدما تحولت الوزارة بحد ذاتها الى «سياحة» للوزير. يفترض أهل الرابية أن ما أثير حول توزير نحاس وعبود لا يعدو كونه «زوبعة في فنجان»، والمرحلة المقبلة من «مفاوضات» التعيينات الادارية ستعكس الجانب الآخر من معادلة «الرجل المناسب في المكان المناسب». وعون الناقم على استحالة تعيين «حاجب» منذ أربع سنوات في إدارات ومؤسسات الدولة، سيختار الأفضل من كفاءات «تياره» لتعيينهم في مناصب الفئة الأولى وما دون، وعلى قاعدة لن تكون أقل من معايير «الشراكة الوطنية» التي اعتمدت في تأليف الحكومة.
صدور أصوات الاعتراض في الرابية وخارجها على عدم توزير الملتزمين في «التيار» باستثناء باسيل، كانت له مبرّراته المنفصلة عن الموقف من وزير الاتصالات السابق.
ثمة إقرار عوني جامع، بالدور الاستثنائي لباسيل في أولى تجاربه الوزارية، وبالموقع الثابت والمتقدم له في «هيكلية» التيار، بشكلها الحالي، فضلا عن أن توزير باسيل تحول الى عنصر للتحدي السياسي، بمعزل عن قربه أو بعده من «الجنرال».
بعض الأصوات تنطلق من الاعتراض العلني للواء عصام أبو جمرة على استبعاد الملتزمين بـ«التيار» عن الحكومة لتفلش أوراقها على الطاولة. هي ليست المرة الأولى التي ينشر فيها الغسيل العوني على السطوح، سبق لـ«الجنرال» ان وصف بنفسه «التيار العوني» بالشجرة التي تحتاج من وقت الى آخر الى «تشحيل» أغصانها لكي تنمو وتثمر.
استتبع ذلك جولات من الحرد المتبادل، ومن الاجتماعات النارية غير «المنتجة، ومن مشاريع لقاءات لتصحيح المسار… بقيت مجرد مشاريع ضائعة في الصخب الكلامي عن هيكلية تنظيمية لم تولد بعد… ومؤتمر يتأجل مرة تلو الأخرى وهيئة تأسيسية تتوسع ومؤسسة تبتعد كلما ازداد الحديث عن قرب ولادتها.
ثمة قناعة راسخة يتداولها كوادر «التيار» من «جماعة الحقبة النضالية»: «الحالة العونية» نبع للكفاءات على كل المستويات الادارية والوزارية والنيابية، لكنها لم تجد طريقها حتى الآن الى… المكان المناسب. وفي رد عفوي على امتناع «الجنرال» عن الاستعانة بذخيرته التقنية «البرتقالية» في معركته الوزارية يتساءل هؤلاء «أيعقل أن 18 دفعة تخريج من الجامعات منذ العام 1990 في كافة المجالات، أنتجت مئات الكادرات المتخصصة والتي برعت في أكثر من مضمار في لبنان والخارج، لا يوجد شخصية من بينها قادرة على تحمل أعباء حقيبة وزارية…؟ وهل كان جبران باسيل متخصصاً في وزارة الاتصالات عندما تسلّم الحقيبة في الحكومة الأولى، مع العلم ان هناك الكثير من الكفاءات مثل جورج بارود وآلان عون وغيرهما من أصحاب الاختصاص في هذا المجال؟ الجواب المبكي، لدى هؤلاء، بأن وزراء «التيار» الثلاثة عيّنوا في مناصب ليست من اختصاصهم».
دخل اسم جورج بارود الناشط العوني في باريس منذ التسعينيات، والذي يتبوأ منذ عشر سنوات منصب مدير لبنان والشرق الأوسط وشمال افريقيا في شركة «غلوب كاست» التابعة لشركة الاتصالات الفرنسية «فرانس تلكوم»، في مفاوضات اللحظة الأخيرة في بازار المفاضلة بينه وبين نحاس لتسلّم وزراة الاتصالات بعد التأكد من عدم إمكان بقاء باسيل فيها. «المناقصة» رست على اليساري «العوني الهوى»، من دون أن تقدم أي تبريرات لتفضيل «الجنرال» الاستعانة بـ«سلاح الغير».
المشهد المحبط أثار نوعاً من السيناريوهات السوداء في عقول بعض كوادر «التيار» «هل يعني ذلك أن على طلاب «التيار الوطني الحر» أن يبدأوا مسيرتهم في أحزاب أخرى ليتسنى لهم تمثيل «التيار» في المستقبل؟. الأكيد أن الأمر سيخلق إحباطاً لدى الطلاب العونيين في الجامعات الذين يستبسلون للفوز بالانتخابات في كافة الكليات، وسيجدون أنفسهم أمام المعادلة الصعبة: من الجامعة الى صفوف «التيار» والعمل الحزبي… ونقطة على السطر، إلا إذا تقاطعت المصالح السياسية والانتخابية فوق رؤوسهم ليظفروا بمقعد في البرلمان».
وخلافاً لرأي «جنرالهم» يقول عونيون ملتزمون في «التيار» «الوزير قبل الطائف وبعده لم يكن يوماً يُختار على أساس اختصاصه والجردة تضم أسماء لا تعد ولا تحصى. ومن المعروف أن الوزير يعكس «البروفيل» السياسي للجهة التي وزّرته، ويحيط به عادة فريق من أهل الاختصاص في نطاق وزارته، يساعده في مهامه ويقدّم له الارشادات والنصائح». منذ توقيع اتفاق الدوحة، أرسلت الى الرابية العديد من السير الذاتية لناشطين وملتزمين في «التيار»، يجزم البعض، أنه لم يكن هناك لجنة لاستلامها والتدقيق في مضمونها، وهي بطبيعة الحال لم تصل الى يد «الجنرال». وفي الحكومة الثانية التي شارك فيها «التيار» ثمة من اقترح وجود «حكومة ظل» من الكوادر العونية المتخصصة تكون بمثابة الرقيب على أعمال الوزارات، إذا كان المطلوب فعلاً إدخال مفهوم «الأخ الأكبر» في مجال العمل الحكومي لناحية الرصد الدقيق للشاردة والواردة في ملفات الحكومة خصوصاً تلك التي تتعلق بمالية الدولة ومشاريع الخصخصة المقترحة أو القطاعات الانتاجية المربحة لخزينة الدولة… عندها يكون شربل نحاس عضواً أساسياً في حكومة الظل، بدلاً من أن يكون ممثلاً سياسياً لـ«التيار» في حكومة سعد الحريري»… الأمر نفسه ينطبق على فادي عبود.
موقف اللواء عصام أبو جمرا الرافض لتوزير شخصيات من خارج «نادي» الملتزمين حزبياً، وحتى من خارج «تكتل التغيير والاصلاح»، لم يؤثر على العلاقة الشخصية بين «الجنرالين». لكن نقاشاً داخلياً يدور اليوم داخل «التيار» أوحى بأن المسألة لم تنته عند عتبة «تطييب الخواطر». يؤكد أبو جمرا «أن علاقة الصداقة مع العماد عون لم تتأثر بما حصل، لكن على المستوى الحزبي النقاش مفتوح… لقد أبديت استيائي من توزير أسماء من خارج «التيار» نظراً للكفاءات الكبيرة التي يمكن الاستفادة منها لشباب ناضلوا وضحوا من أجل مسيرة «التيار» واستمراريته».
وإذ يرفض أبو جمرا الرد عما إذا كان الوزراء الثلاثة باسيل ونحاس وعبود، يمثلون مجتمعين «التيار الوطني الحر» في الحكومة يقول «هناك مسائل مطروحة للنقاش على المستوى الداخلي وليس العلني، بعدما تم تعيين وزير واحد ملتزم تنظيمياً من أصل ثلاثة، وهذا ما يسيء الى الكفاءات الموجودة داخل «التيار».
وهل سيتمّ التسلّم والتسليم قي موقع نيابة رئاسة مجلس الوزراء يجيب أبو جمرا «أنا بانتظار أن يشرّف الوزير الياس المر لكي تتم عملية التسلّم والتسليم…».
وتردد في هذا السياق أن أبو جمرا وجه كتاباً إلى قيادة «التيار» يطالب فيه بعقد اجتماع للجمعية التأسيسية لمناقشة مسألة توزير منتسبين إلى «التيار» وغيرها من القضايا الحزبية.
«الرادار» العوني يكشف اليوم عن اتجاهين حاسمين داخل «التيار الوطني الحر»: اتجاه حمل «الراية البيضاء» يأساً من إمكان إدخال النفحة الإصلاحية إلى «بيت البرتقاليين»، ويضع خيار الخروج من «التيار» كحل مشرّف، من دون ضجة ولا إيحاءات بالانشقاق أو ما يوحي بحركة انقلابية.
الاتجاه الثاني يراهن على «المحاولة الإصلاحية» الأخيرة، وهذا الفريق يحمل في جعبته مشروعاً إصلاحياً يشمل إنشاء قيادة لـ«التيار» وإدارة متكاملة لها، معتبراً أن أربع سنوات من «المماطلة» هي كافية لوضع البيت العوني في النهاية على سكة التنظيم الحزبي. حتى الساعة لم يتسن لهذا الفريق لقاء «الجنرال» في جلسة نقاش موسعة، وإن كان أهل الرابية يجزمون بأن «الرسالة وصلت»، والاستياء الشبابي من «الاستبعاد» الوزاري لا يعدو كونه «قنبلة صوتية» لا تؤثر على المسار المستمر لولادة التنظيم الحزبي الجديد.
وفي انتظار جولة جديدة من الحوارات الداخلية خاصة بين جبران باسيل والكوادر التي تلح على الانتقال نحو الصيغة ـ المؤسسة، خاصة في ظل انضواء الجميع تحت سقف سياسي واحد، ووجود ما يشبه الاجماع على القراءة السياسية الداخلية والخارجية.