ميشال عون …
بقلم مارك ألبطي
غريب أمر جنرال الرابية، تتاّكله الأضداد ولا يركن على مبدأ أو فكر سياسي معيّن، ولا ثابتة في حياته السياسيّة فكل شيء معه قابل للنقاش والتغيير، ولم يقل يوماً شيئاً الا وفعل عكسه. لا يأبه لنتائج تكويعاته ولا لمترتّبات تغيير سياساته المتحركة، فكل شيء يأتي لمصلحته جائز وقابل للتفاوض.
عندما يحاضر عن عفّة رأيه السياسي أو مشروعه الّذي يراه الأنسب يحاول اقناعك بأن لبنان والعالم لن يكونوا بخير اذا لم يؤخذ برأيه، وبعد وقت ليس بطويل يستميت ليشرح لنا كيف أنّ المشروع الّذي كان بالأمس صمّام الأمان في الوطن أضحى اليوم برميل بارود ويشكّل خطراً على كينونة لبنان وديمومته.
انّه حقاً غريب أمر الجنرال… فعندما قال لنا يوم كنّا ننام في ساحات بعبدا، في عزّ الصقيع جائعين بأنّه باق مع اّخر مواطن وجندي اّخر أيّام حربه التحريريّة لأنّ قدر الجندي – كما كان يقول – أن يستشهد في ساحات الوغى. غادر الى السفارة الفرنسيّة بليلة ضوء قمرها خفيف ليشرح بعدها لنا أنّه ذهب لأجل وقف اطلاق نار "رأفة بيللي بقيو". أولائك الجنود الذين كانوا يذبحون على جميع الجبهات…
خاض حرباً تدميرية على لبنان ضدّ سوريا الّتي كانت تحتلّنا بأكثر من مئة الف جندي، أراد تكسير رأس حافظ الأسد بأجساد لا يحس ألمها وشهداء ولا يريد معرفة من قتلهم وأسرى كان يأكل الطعام على بعد أمتار من سجنهم، ويشرب نخب النّظام السوري الّذي برأيه وبسحر ساحر أصبح صديقا وكأن كل ما دمّر وكل من قتل وتهجّر نتيجة لهذا ألإحتلال لا يريد ألجنرال حتى أن يبحث به…
أقنعنا بأن حربه ألإلغائية على "القوات اللبنانية" كانت لمصلحة الوطن لأنه لا يجوز – كما كان يقول – أن يكون ألسلاح إلا بأيدي ألجيش وحده حامي ألوطن وألمواطن، وبدأ بالحديد والنار حرب الغاء "القوّات اللبنانيّة"، فظنّ البعض بأنّه يعمل لمشروع دولة حتّى أتى يومنا هذا ليقول إنّ سلاح "حزب الله" باق الى ما لا نهاية، وبأنّه وبالتفاوض فقط يبت أمر هذا السلاح.
لم يشرح لنا الجنرال كيف يجوز له أن يدمّر نصف لبنان والمناطق المسيحيّة بشكل خاص لينهي سلاح "القوّات" مع العلم أنّه وكالعادة لم ينجح ويريد التفاوض على سلاح "حزب الله"؟! ألم يكن حريّاً بالجنرال أن يتفاوض مع "القوّات" على نزع سلاحها أو يعامل "حزب الله" بالمثل أي يطالب بأخذ سلاحه بالقوة؟
عندما عاد الجنرال من منفاه الباريسي الهادئ أوّل ما قام به هو أنه وضع اكليلا من الزهر على ضريح الرئيس الحريري وعندما لم تطب له صفقة أرادها لمصلحته نعت الشهيد بأبشع النعوت، عاد حاملاً معه سيف "الاصلاح والتغيير" فهلّل له الكثيرون ظنّاً بأنّه البطل المنقذ الّذي لن يسكت على الفلتان المستشري في دوائر الدولة ومؤسساتها، وها هو مع نوابه ووزرائه الأخيار ومنذ تولّي حضرتهم المسؤوليّة لم يكشفوا عمليّة احتيال واحدة ولم يتقدّموا بدعوة أو اخبار واحد ضد أي من المسؤولين في أي جرم سرقة أو اختلاس.
المضحك المبكي أن يطلب الجنرال من الكاردينال صفير أن يكشف عن السارقين وكأنّ البطريرك صفير هو من يتستّر عنهم. نقول للجنرال النظيف اذا كنت حقاً تعلم فلماذا لا تتقدّم حضرتك باخبار لدى النيابة العامة وتبدأ بالتحقيق؟ فاما ان تكون خائفا أو متواطئا ان لم تفعل. أما أن تتّهم البطريرك بالتستّر عن الفاسدين فهو الفجور بعينه…
ان مشكلة الجنرال هي في الاساس مع نفسه، تأخذه رياح العظمة عالياً، فيخال نفسه الاله الواحد الوحيد، ليس له شريك لا في العبقريّة ولا في الدّهاء والبطولة. فهو يكره السياسيين من الصف الأوّل، فمثلاً لا يعجبه دوري شمعون فبرأيه انّه وريث سياسي وابن بيت شمعون العريق، ولا يحب أمين الجميّل فهو أيضا وريث بيت وطني كبير ورئيس جمهوريّة سابق، مشكلته مع سمير جعجع بأنّ لديه جمهوره العريض، ولا يهضم كارلوس ادّه فيذكّره بالمرحوم ريمون ادّه الكبير. يرتاح الجنرال للصيصان. يلمع نجمه فيما بينها، لا يحلوا له المشي مع ديوك فيخفّ وهجه، ويشتاق لضوضاء الكميرا اذا غابت عنه بضع ثوان…
كل رؤساء الاحزاب المسيحيّة العريقة التي قدمت قوافل شهداء لا تهمه ولا تعني له شيئا، فهو الثائر، محارب الاقطاع السياسي ولكن … تراه يقول أمر اليوم بالفم الملاّن إنّه "كرمال عيون الصهر العزيز فلن يكون للبنان حكومة الا وفيها الصهر المدلّل"، فيا لسخريّة القدر…
غريب أمر هذا الجنرال حتى الكردينال صفير برأيه لا يعمل لمصلحة المسيحيين فهو ملكي أكثر من الملك… لا يعلم حتّى منجّم ماذا ستكون خبصة الجنرال التالية، فقد يقول إن الارجنتين مثلاً تهدّد أمننا القومي ويجيّش من تبقّى معه لمحاربة الخطر الأدهى أو يتحفنا مثلا بأنّ على لبنان امتلاك السلاح النووي بعد أن تحل مشكلة الكهرباء لنرد خطر أميركا عنا أو ربما لنقف بوجه روسيا أو الهند…
لا نلوم الجنرال على أعماله فهو منذ أن حل ضيفا ثقيلا على الحياة السياسية في لبنان والدمار والفشل حليفاه اللذان لا يفارقاه حتى وهو نائم. ولكننا نشعر بالحزن والأسى على اخوة لنا في الوطن وشباب غرر بهم الجنرال "البطل" حتّى يستنزف اخر قطرة دم بقيت في عروقهم، وكل نقطة عرق على جباههم ليعمل من نفسه بطلا من ورق ويبني قصورا من سراب.