#adsense

فحص الضمير للنهوض بالوطن

حجم الخط

فحص الضمير للنهوض بالوطن
حميد عواد

إستحوذ مخاض ولادة الحكومة على إهتمام شغوف من اللبنانيين، ما لبث أن خَفَتَ تدريجياً ليبلغ حدود الإشمئزاز من مماحكات هواة "كسر مزراب العين" بـ"سيف" الظهير المستقوي لنفخ رصيد "الملكيين الجدد" بحقنات حقائب وزارية ما كانوا إستحقوها لو لم يتنكروا لأصالة الهوية الوطنية.

ضاع الوفاء وإختلّ المنطق وسقطت القيم وطُعنت الحرية وخُدع المناضلون يوم إنقلبت قيادات على مبادئها وراحت تغطي نموّ بؤر فئوية مسلحة جُنّدت إلتزاماً بـ"هدي" مرجعية أعجمية فإكتسحت الأرض و نهشت مؤسسات الدولة وقيّدت النظام الديمقراطي وعملت على تغيّر معالم الهوية الوطنية.

وتبريراً لتحوّل "الهوى" لم تدّخر "القيادات الفذّة" صنفاً من "ألعاب الخفّة" السياسية إلا ومارسته لتدرأ الناس "شرّ الفتن"! وتصوّر شمول الفائدة و"البركة" ومتانة المنعة و"نزاهة" القصد. ثم أطنبت في الإشادة بـ"مزايا" الحكّام "البطّاشين" ومحضتهم "براءات الذمّة" وأحاطتهم "بالإجلال والإحترام".

فيما إنتخت لإحياء صور "منتقات" من ذكريات الحروب العبثية الاليمة التي شاركت في إحدى مراحلها "لإلغاء الميليشيات"! و "بسط سيادة الدولة و القانون"!

والهدف هو إدانة قوى منعت تحويل الوطن إلى بديل عن فلسطين في زمن الفوضى وكانت الوحيدة التي سلّمت سلاحها إلتزاماً بإتفاق الطائف وزُجّ بقائدها في السجن لاحقاً بعد "تدبيج" للملفات بسبب رفض للمشاركة في وزارة تفتقر إلى مواصفات الوحدة الوطنية المطلوبة لأول حكومة بعد الطائف ورفض لعرض تسهيل الخروج من لبنان منحه رئيس الجمهورية آنذاك.

وإمعاناً في زرع الشقاق ضمن أوساط الفريق الذي إنفصلت عنه القيادات المذكورة، و تزلّفاً لمن خلع عليها الألقاب البرّاقة وعباءات الزعامة، راحت تصوّب سهامها العشوائية نحو مرجعية روحية ووطنية عميقة التقوى، راسخة الإيمان بالله، متجذّرة في إحتضان الوطن الذي لعب أسلافها دوراً محورياً بولادته وحمت مثلهم إستقلاله وحملته في وجدانها كذخيرة ثمينة تحافظ عليها وتمنع التفريط بها. هذه المرجعية تتجاوز "الأذى الشخصي" القاصر عن النيل من مهابتها، لكنها لا تسكت وتتكتف عند بروز أخطار تهدد أركان الوطن.

حريّ بهكذا قيادات إجراء مراجعة ذاتية والتأمل ببعض التساؤلات الاتية:

أين صدقية التبشير بالتسامح متى إقتصر على حلقة الحلفاء الجدد فيما إستمر "رجم" الأخوة؟

وأين صراحة مساندة سيادة الدولة ودعم مؤسساتها وأجهزتها وتعزيز صلاحية سلطاتها فيما الخطاب والممارسة يقبّحانها ليجمّلا منجزات الدويلة المنافسة؟

وأين العفّة في إدّعاء محاربة الفساد فيما السلوك يصوّر تجاوزات "البطانة" فضيلة والتصرف بأملاك الغير حقّاً مكتسبة؟

وأين الشفافية في الدعوة إلى الإحجام عن بيع الأراضي للأغراب وعودة المهجّرين فيما التمدد المنهجي للحلفاء ينوء بثقله على سكان محيطهم و يدفعهم لبيع أراضيهم وهجر الوطن؟

وأين الجدية في الإلحاح على رفع يافطة "منع التوطين" من دون طرح حلّ قابل للتطبيق فيما الهدف هو جعله مطية لإستجرار حروب طاحنة مع إسرائيل لا حسم فيها؟

وأين الثبات على إعتناق مبادئ صيانة حقوق الإنسان وتوفير الحريات المشروعة والحفاظ على النظام الديمقراطي فيما التنكر لهذه القيم بلغ حدّ لعن حضارة الغرب وحكامه للتدثر بـ"مآثر" طغاة المشرق؟

أين الحكمة من التنكر لفضل أحكام القرارات الدولية في إخراج الجيش السوري من لبنان فيما كانت النية معقودة على "إستيطانه"؟

أين المروءة من الإستخفاف بدم شهداء "ثورة الأرز" و تسخيف تضحياتهم وتمويه سفاحيهم؟

أين الشجاعة في قول الحق والتعبير عن القناعات بجرأة وراحة الضمير بدل الرضوخ لضغوط الترهيب والترغيب؟

أين الأمانة في الولاء للوطن عندما تنبهر الأنظار من أضواء "النجومية" المسلّطة على المسرح السياسي و تحجب المناصب الموقتة الرؤية عن خطر الوجهة التي يُدفع إليها؟

إن الإنفتاح على مختلف شرائح الوطن لا يكون مشروطاً بخضوع الجميع لمشيئة المقتدر مادياً وعسكرياً ولا يقوم على حساب محاصرة فريق ومحاولة عزله.

حقّ بديهي للبنانيين ألاّ يشعروا بالأمان والإطمئنان إلاّ في عهدة قوى الأمن الشرعية. أمّا الأمن الفئوي الخاص فهو حافز لدفع كل فريق لإنشاء جهاز أمنه الخاص.

هل من رهان على سذاجة الناس لإيهامهم إن المهارات القتالية "الرشيقة" يستحيل دمجها ضمن صفوف الفرق النظامية المتعددة المهام والكفاءات والعالية الأداء أو كفرقة دعم خاصة، ومفهوم الخدمة العسكرية يدخل في هذا النطاق؟

أما إطلاق العنان لقوى "المنعة" غير النظامية ككيان متميز عن الآخرين هو كإفلات خلايا مناعة الجسم من عقالها حين تعلّل خطأً إشارات صادرة عن أنسجة سليمة فتعتبرها دخيلة وتنطلق لمهاجمتها وتصيب الجسم بعطل معيق لا شفاء منه.

عند كلّ إستحقاق دستوري يستنفر حلفاء المحور الإيراني – السوري قدراتهم التعطيلية لإطالة أمد إنجازه إفساحاً في المجال لـ"حاضنيهم"، أركان نظامي الثنائي، لقبض أثمان تسهيل متدرّج لسياق الإستحقاق ولإثبات "طول باعهم" داخل لبنان وعلى الهامش يركزون الأضواء على "تألق نجوم" فرق المواكبة بوضعهم على خشبة المسرح السياسي والإختباء وراءهم.

هكذا وُضع سيناريو الحكومة على ثلاث مراحل طالت 4 أشهر و 12 يوماً إعتراها إعتذار وإعادة تكليف الرئيس سعد الحريري:
1- صفقة هيكلية الحكومة 15-10-5
2- صفقة قبول الراسبين في الإنتخابات وتحديد الوزارات في سلّتي الأكثرية والأقلية
3- تجاوز "ألغام" توزيع الحقائب ضمن السلّة الواحدة وإختيار الوزراء.

والآن مرحلة رابعة دقيقة هي صياغة البيان الوزاري والقطبة المخفية فيها هي ربط الإلتزام بالقرارات الدولية باإشارة إلى حق تحرير الأرض "بكل الوسائل المتاحة".

لا شكّ أنّ درب التكليف المضني شحذ معدن الرئيس الشاب سعد الحريري فأثبت أنه رجل دولة من عيار أبيه الشهيد.

كما يبدو أنّ كافة الوزراء يتمتعون بكفاءات عالية نأمل أن يكرسوها لخدمة المجتمع بتفانٍ وإتقانٍ ومناقبية وعدل من دون تمييز وإنحياز.

فرص إقتران النوايا الحسنة بالعمل المجدي والمنسّق متاحة ولو أنّ إجتراح العجائب وحده يعوّض صبر اللبنانيين وجسامة تضحياتهم. فإستعدوا لممارسة المهام بحرفية وسخّروا كامل طاقاتكم للفوز في سباق التنظيم والإصلاح والإنماء والإنتاج لتستحقوا الثقة و التقدير والشكر.

مهندس واكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل