البحث عن الوسطية؟!
تشبه حكاية الوسطية في لبنان حكاية محامي من قريتنا إستقدم تحت إسم جمعية شبه وهمية فرقة فنّية لإحياء أمسية فيها، وحينما اراد ان يأكل حقوق المنتج، فضحه هذا الأخير وحكى بحقّه امام الناس، ولما إلتقيا قال له المحامي : " ولو يا إستاذ هيك بتجرصنا " ؟ ليتك ذهبت عندي في البيت مباشرة ونتفاهم وتأخذ ما تشاء، فتناول المنتج مصباح إنارة يدوي وقال له : " قوم دلّني على بيتك " (ليس للمحامي بيت في القرية ؟ !) .
والباحث عن الوسطية في لبنان لم يخرج من بحثه بأكثر من ما خرج به المنتج المذكور ؟ وفيه ان الأمر كلّه مجموعة تمنّيات يرجو منها أصحابها ان تتيح لهم إعادة تموضع سياسي يكاد يكون " عود الى الماضي " ولو اختار له اصحابه إسماً جذّاباً وعنواناً عريضاً يقول كلّ شيء دون ان يضطر اصحابه ان يقولوا كلمة واحدة حتى ؟ !
وقد ثبت في إلإنتخابات النيابية الأخيرة، وفي إنتخابات النقابات والجامعات ايضاً، انّ لا جمهور وسطي في لبنان ؟ وأن المواجهة هي بين مشروعين سياسين، يضمّ الأول السيادي منها اكثرية الجمهور المذهبي في معظم الطوائف اللبنانية، فيما يقتصر الثاني على الأكثرية الساحقة من الطائفة الشيعية الكريمة ومعها أقلّيات متفاوتة الأحجام، وتكرار إنتصار الفريق الأول في عامين 2005 و 2009 على الرغم من الإرهاب والضغط والإغتيالات والتفجيرات، مؤشر مؤكد الى ثابتة في التاريخ اللبناني منذ الأزل، وفيها ان الحرية تأتي أولاً وبعدها ياتي الأمن والإزدهار وكلّ ما يتبعهما في حياة الشعوب وسبل عيشها ؟
ولعلّ ما يجمع الساعين الى الوضعية الوسطية يكاد ينحصر في الأسباب السياسية الشخصية والمذهبية ؟ وفي التعداد لا يضيع المراقب في تحديد الفئات وهي ثلاثة :
1 ـ الفئة الأولى يقودها رئيس المجلس النيابي المزروك في الثنائية المذهبية، والراغب في الخروج الى دائرة الضوء عبر موقع جديد مميّز ؟ يستعيد فيه الدور الأوّل الذي لعبه في توافق الـ س – س الأول الذي اعقب ولادة الطائف، دون عودة الـ س الأولى العسكرية والإستخباراتية التي لم تكن تفيده مباشرة في زمن التسعينات الطويل .
2 ـ النائب الزعيم وليد جنبلاط التي تختلط عنده الأسباب بين الخوف على طائفته الصغيرة وإمتداداتها الإقليمية، والقراءة الصحيحة (ولو المبالغة) للمتغيّرات في المنطقة ؟ وهذين العاملين يضاف اليهما الرغبة الأكيدة في تأمين مظلّة تقي الجبل من 7 ايار آخر يأتي على وقع احداث مرتقبة بعد نهاية المفاوضات الشاقة بين المجتمع الدولي وايران حول الملف النووي والرغبات التوسّعية المتمددة في طول المنطقة وعرضها ؟ !
3 ـ الفئة الثالثة : والتي تضم خليطاً غريباً عجيباً يجمع الخارجين من جلودهم السابقة، والباحثين عن مكان تحت الشمس، والوصوليين والخاسرين شعبياً، وودائع الأزمنة الغابرة، وهؤلاء جميعاً تحثّهم إشارات سوريا على التقرّب والتقارب مع التيّار البرتقالي علناً ! بعد ان كانوا يساهمون سرّاً في معاركه الإنتخابية وهذه تفسّر تحديداً اسباب ودوافع إختيار الوزراء الذين يمثّلون عون في الحكومة الحالية ؟ لأن مهمّتهم الأولى والوحيدة هي إتمام الإقتراب المطلوب بشكله الطبيعي المبسّط والهادئ ايضاً ؟
وفي مواجهة هذه التركيبة المصنّعة، فإنّ الثابت ان القوّات اللبنانية والمستقلّين في مسيحيي 14 آذار والأحزاب والتيّارات والجمعيات السيادية في مختلف المذاهب ستبقى ملتزمة بشعارات ومبادئ ثورة الأرز وإنتفاضة الإستقلال، ومحاولات عزلها لن تنجح لأكثر من علّة وسبب، اولّها تغيّر الظروف التي كانت سائدة قبل العام 2005 داخلياً، وثانيها التفهّم العربي والدولي لمسيرتها الواعدة والثابتة، والأهم إستمرار جمهور 14 آذار في إلتزاماته الأكيدة وإصراره على المتابعة مهما غلت التضحيات .
والأكيد ايضاً ان تيّار المستقبل والمؤسسات الدائرة في فلكه ستبقى عاموداً فقرياً ضمن قوى 14 آذار، وستحسن التمييز تماماً بين مهمّات وواجبات رئيس حكومة لبنان، والتموضع السياسي القائم على مبدأ " لبنان اولاً " لأنه علّة وجود التيّار المذكور واحد اهم ركائز إستمراراه في الزعامة سنياً ووطنياً على النحو الذي يشهده لبنان منذ ما بعد 14-2-2005 وحتى ايامنا الراهنة .
ويبقى ان التوافق على كلّ ما يجمع اللبنانيين ويثبّت وحدة لبنان لا علاقة له بالوسطية ولا بـ " الوسطيين الجدد " خصوصاً فيه البنود التي انجزتها طاولة الحوار الأولى ؟ كما انّ لا تأثير للوسطية على البحث الجدّي في البند الوحيد المتبقّي والذي لا تستقيم ولادة لبنان السيادة دون الوصول الى تفاهم جذري وشامل … فيه وحوله .