أزمة النظام… بلا متطوعين !
تُقبل "الكتل" المسيحية الثلاث في الحكومة الجديدة على ارتكاب خطأ جسيم في التسليم ببيان وزاري منزوع النكهة من اي مقاربة ولو مبدئية لأزمة النظام التي كانت عملية تأليف الحكومة نفسها آخر مظاهرها وتجسيداتها الواقعية الصعبة. وعلى افتراض ان المجموعات والكتل الوزارية للسنة والشيعة والدروز لا يلائمها تضمين البيان الوزاري اي اشارة الى هذه الازمة لاعتبارات تتصل بالحساسيات المقيمة بين بعضها البعض والموروثة من صدام 7 ايار 2008، او لمصالح طائفية ومذهبية متصلة بواقع ارتباطها بهذا النظام، او حتى لاعتبارات خارجية موصولة بالتسوية السورية – السعودية، فان الامر يختلف تماما بالنسبة الى المجموعات المسيحية على اختلاف توجهاتها بين كتلة رئاسة الجمهورية وكتلة العماد ميشال عون وكتلة مسيحيي 14 آذار.
ذلك ان هذه الكتل الثلاث تمتلك فرصة ذهبية يتعين عليها اقتناصها في استعادة دور حقيقي يمكنه ان يرسم للمسيحيين مجددا صورة طليعية في الحفاظ على النظام من بوابة تطويره وعدم طمر الرؤوس في رمال تجاهل انتهاكه و"العيش" على فتات امتهانه.
ولعل المفارقة التي تبرز من هذه الزاوية هي انه حتى في ظل الانقسامات العميقة بين هذه الكتل والتصادم في مشاريعها وتحالفاتها، تبدو المصلحة الاعمق لكل منها في التطوع لاثارة ازمة النظام من حيث كونها مصدر الخطر الاشد ثقلا على الدور المسيحي في السلطة وكذلك في صياغة مستقبل النظام ووضع حد للمغامرات التي تتخذ من ثغر ميثاق الطائف منصة انطلاق دائمة لتغيير وجه لبنان والانقلاب على نظامه.
فمن غير المبرر والمفهوم لأي كتلة مسيحية ان تقبل بتجاهل ما حصل بين العامين 2005 و2009 ما دامت الازمة الحكومية الاخيرة وحدها دفعت الى الواجهة مشهدا شديد الالتباس بين فريق مسيحي ينتهك النظام وآخر قاصر عن حمايته، وثالث يقبل ويدبر متردداً في مقاربة هذه العلة.
تتوازن الخسائر البعيدة المدى بين الكتل الثلاث إن هي سلمت باستمرار التآكل الجاري، مكتفية بالتعويض عن كل منها بما تستلزمه التسوية الداخلية – الخارجية في توزيع الحصص السلطوية على المسيحيين. فكتلة "المعارضة المسيحية" وإن افادت من دعم حلفائها في فرض منظومة الاعراف والسوابق القسرية، تدفع ثمنا باهظا في المقابل عبر صورة رأس الحربة لمحور داخلي – خارجي مناهض لخصوصيات النظام اللبناني وهويته. وكتلة "الغالبية المسيحية" وإن تمكنت من تصويب نسبي للميزان المختل، تتكبد خسائر جسيمة عبر خطر التفكك تحت وطأة العجز عن المبادرة والاستمرار في تلقي الضربات. وكتلة رئاسة الجمهورية وإن بدت مطلة على عمق الازمة من خلال طروحات الرئاسة حول تعديلات في الدستور وطرح آفاق متطورة لطاولة الحوار، تغامر بشدة في فقد رصيدها كلما لمّحت الى تراجعات سريعة عن هذه المقاربة تحت وطأة الحفاظ على "الوسطية" ومراعاة عوامل ضاغطة من الداخل والخارج.
مجمل عوامل هذه المعادلة السلبية يقدم في مقلبه الآخر فرصة ثمينة جدا للاطراف المسيحيين في خضم المناقشات الجارية للبيان الوزاري اقله من باب الالتقاء المصلحي المباشر وعبره توسيع افق هذه القوى الثلاث للخروج من حالات الانعزال داخل التحالفات الكيدية والعدائيات الجاهلية وفرض مسألة النظام ولو "ادبياً ومبدئياً" في ادبيات بيان يخشى ان يأتي بمثابة تغليف انشائي تقليدي لتسوية ظرفية مهما علت بلاغة الاقتضاب والاخذ بموجبات التسوية فيه.
وغني عن البيان ان تسليم الاطراف المسيحيين بتجاهل البيان لازمة النظام لن يعني سوى حقيقة واحدة لا تحتاج الى غوص عميق في شرحها، وهي ارتضاء كل منها المضي في "افق المعركة" بدور محجّم سخيف صنعته حقائب وزارية، مهما كبرت او تعاظمت. وليس ثمة من اثبات اكبر على هذه الحقيقة من "الجفاف" الهائل الذي بدأ يعتري هذا "اللادور" بعدما تقدم الشركاء الكبار ال احتلال المنصات المتقدمة.