"الوصل" مع "أهل الفصل" يعطي الحركة الاستقلالية القدرة على المبادرة
الحوار مفتاح المرحلة الراهنة.. شرط التمييز بين مستوياته
ما هي المجالات المعنيّة بـ"الحوار الوطنيّ" وبـ"ثقافة الحوار" في لبنان، وما هي الأطر المعنيّة بتسيير أمور الناس، تشريعاً وتنفيذاً ورقابة، بشكل محدّد مؤسّساتياً ومضبوط زمنيّاً ويجد مرجعيّته في نصوص وأحكام دستوريّة وقانونيّة؟
المرحلة الراهنة هي قبل كل شيء مرحلة طرح هذا السؤال والسعي للإجابة عليه، أي السعي للإفلات من المفارقة التي يقع فيها "الحوار" حاليّاً في لبنان: فمن جهة يريد البعض حصر هذا "الحوار الوطنيّ" في طاولة له، يتحلّق حولها "الأقطاب"، وقد جرى نفخ أو تفريخ كتل برلمانيّة معيّنة لإضافتها إلى مشهد المتحلٌقين حول الطاولة من الأقطاب، ومن جهة أخرى تجري إشاعة مساحة "الحوار" بشكل غير مسبوق، بحيث يصبح الغرض من كلّ المؤسسات الدستوريّة هو مزاولة الحوار، من دون احتكام إلى نصّ دستوريّ أو قانونيّ ومن دون التقيّد بالمهل الدستوريّة والقانونيّة ومن دون رجوع إلى أحوال الناس ومطالبها الضاغطة.
والطريف أنّ الجهة التي تريد حصر الحوار في طاولة الحوار هي نفسها التي تسارع إلى إختزال كل فاعلية تشريعية أو تنفيذية أو رقابية أو حتى قضائية لمؤسسات الدولة في الشكل الحواريّ عينه، فيجري تعطيل العمل البرلمانيّ بحجّة "أننا محكومون بالحوار" وإلا فليس هناك ما يمكن انتاجه على هذا الصعيد، وكذلك يمكن أن يجري التربّص بالعمل الحكوميّ بعد تجربة تعطيليّة لولادة الحكومة، وهو ما ينسحب على كافة المستويات وبشأن سائر الموضوعات.
والطريف أيضاً أنّه في السنوات الماضية كان الطرف المتسلّح بـ"الحوار" كحجّة في وجه الإحتكام المؤسساتي إلى النصوص الدستوريّة والقانونيّة هو نفسه الطرف المسارع إلى لغة "السجال"، بل أنّ تصوّره للحوار بقي سجالياً بإمتياز، وإحياناً زجريّاً تهويليّاً، بل وصل في لحظات بعينه إلى مستوى من "التخوين" و"التفسيد" (رمي الآخرين بتهمة "الفساد" دون حجّة أو دليل بل على أساس الدسّ والشائعة البدائية).
فما حدث في سنوات الأزمة الأربع إلى الآن هو أنّ الفريق الذي كان ينادي بـ"الديموقراطية العددية" أدمن التسلّح "السجاليّ" بـ"الديموقراطية التوافقية"، لكن على أساس أنّه إما التوافق المطلق وإما التعطيل المطلق، أمّا فيما يلي الحوار فهو خرج من "منطق إما وإما" وأختار طريق التخليط.. التخليط بين الدعوة إلى الحوار بالمطلق وبين التخوين والتفسيد بالمطلق.. والتخليط بين حصر الحوار بطاولة الحوار فحسب (لإبعاده بشكل رئيسيّ عن البرلمان) وبين إشاعته حيثما يراد للتعطيل أو للتسويف أن يتسيّد (أي إعاقة العمل التنفيذيّ بـ"حجّة" الحوار).
لأجل ذلك، فإذا ما كان مقدّراً للمناخات الإيجابية الأخيرة أن يعوّل عليها، فمن الضروري أن يذهب هذا التهويل بالإتجاه المعاكس لما عهدناه في السنوات الأربع الأخيرة، بأن نخرج من منطق "إما التعطيل المطلق وإما التوافق المطلق" وأن نخرج أيضاً من مناخات التخليط الإعتباطيّ بين الدعوات إلى حلّ الأمور بالرويّة والحوار وبين الدسّ والبثّ على أساس التخوين والتفسيد والتحريض والإفتراء.
ويكون ذلك بتمييز المستويات. فالحوار على طاولة الحوار ينبغي أن ينطلق من الميثاق الوطنيّ ومن الطبيعة الميثاقيّة للكيان اللبنانيّ بوصفه عهداً إسلاميّاً مسيحيّاً مشتركاً ينبني على المناصفة، ليناقش من هذا المنطلق المسائل الخلافيّة الأساسيّة وفي طليعتها مسألة "سلاح حزب الله" والإستراتيجية الدفاعيّة، إذ هناك إختلاف بين من يريد وضع إستراتيجية دفاعيّة لبلد محكوم بميثاق المناصفة وبين من يريد وضع مثل هذه الإستراتيجية لبلد لا ميثاق له أو لا مناصفة فيه.
أمّا الحوار تحت قبّة البرلمان فهو حوار على أساس ما أفرزته النتائج الإنتخابية من موازين. إنّه حوار بين أكثريّة وأقليّة. حوار يشكّل التشريع مساحته الرئيسيّة، ويحاكم على هذا الأساس.
وفي المقابل، فإن كان من حوار على طاولة مجلس الوزراء، فهو من طبيعة أخرى، إنّه بالدرجة الأولى حوار يلتزم بضرورة العناية بعامل الوقت، وهو في نهاية الأمر وقت الناس، فالموازنة مرهونة بوقت، والمشاريع الإقتصادية والإنمائية مرهونة بوقت، ولا يمكن للحوار على طاولة مجلس الوزراء ألا يتقيّد بالوقت، وقت الناس، ولا يمكنه ألا يتقيّد بأساس العمل الحكوميّ، وهو التضامن الوزاريّ.
بيد أنّ كل هذه المستويات لا يمكن أن تستقيم من دون أمرين:
أولّهما تكريس دور رئيس الجمهورية في رعاية "الحوار الوطنيّ" على طاولة الحوار، كما في رعاية البعد الحواريّ للمؤسستين التشريعية والتنفيذية، إنطلاقاً من كونه تقدّم من خلال خطاب قسمه بخارطة طريق للحوار الوطنيّ ولثقافة الحوار.
أما ثاني الأمرين فهو الإشاعة الفعليّة لثقافة الحوار على منابر السياسة والإعلام. لا يعقل أن يستمرّ منطق "تعالوا لنتحاور أيّها الخونة"، أو منطق "نحاوركم اليوم ونسجنكم غداً" أو منطق "نتحاور بالقدر الذي نريد ونمسك عن الحوار حين نريد" أو منطق "نلغي الدستور بإسم الحوار ونلغي الحوار بإسم الصراع مع العدوّ". ولم تتم بعد على جبهة قوى 8 آذار نقلة نوعيّة للإبتعاد عن هذه المناخات.
في المقابل، ينبغي أن تتعرّف الحركة الإستقلاليّة أكثر من أي وقت مضى على أهميّة رفع راية الحوار الوطنيّ وثقافة الحوار، فهذه بضاعتها ردّت إليها، وحتى عندما لجأت هذه الحركة في وقت من الأوقات إلى التفريق بين "ثقافة للفصل" و"ثقافة للوصل" في لبنان فإنّها لم تجد من سبيل لمناقشة "ثقافة الفصل" من موقع "ثقافة الوصل" إلا من موقع هو موقع "الوصل" بإمتياز، وهذا هو الأساس الصالح لتعزيز الإحتضان "الإستقلاليّ" لقضيّة الحوار اليوم. "الوصل" مع "أهل الفصل" ينبغي أن يكون الأساس الذي يدعو من خلاله الإستقلاليون شركاءهم في الوطن، بغية البحث عن.. "كلمة سواء".