Site icon Lebanese Forces Official Website

حزب الله والضاحية الجنوبية (2/2) مواطنية أم قيم دينيـة؟

حزب الله والضاحية الجنوبية (2/2) مواطنية أم قيم دينيـة؟

في مجتمع يعيش بمعظمه ضمن "بنيوية" عقائدية تخضع لـ "التكليف الشرعي"، أسست جمعية قيم لمشروع "إصلاحها" لمجتمع الضاحية الجنوبية على معايير "دينية"، ربما لأن حزب الله اعتبر أن "الوازع" الديني كافٍ جداً "لإصلاح" اجتماعي، عملياً سيكتشف الحزب لاحقاً أنه يقود تجربة إصلاحية من خارج السياق، وأن تجربة جمعية قيم ستراكم كماً هائلاً من التوعية النظرية فقط لا أكثر، وعناوين متفرقة تستلها من نصوص الأحاديث الشريفة أو من القرآن الكريم، وعلى ما يبدو هي تريد المحافظة على "الصبغة الإيرانية" فيحضر دائماً شعار للخميني أو للخامنئي، عملياً كل هذا هل سيفضي إلى تطور ما يطرأ على أمن الضاحية الاجتماعي؟ والإجابة بسيطة جداً: لا.. وهذه الـ "لا" ليست نابعة من نظرة تشاؤمية بل من نظرة واقعية على كل تجارب الإصلاح التي سبقت إليها المجتمعات خصوصاً في القرن التاسع عشر الذي كان عصر الإصلاح بامتياز، ومع هذا انتهت النتائج إلى تبخر كل المحاولات وتحولها إلى نظريات في كتب توثق لها وتحكيها لنا..

الإصلاح رغبة ذاتية فردية، تتكل على إرادة الإنسان وعملياً هي "محاولة مستمرة"، والدول عادة لا تعيش في منظومة قيم دينية، بل من ضمن منظومة قوانين تنقسم إلى حقوق وواجبات تنتظم كلها في كادر "العقاب" على مخالفتها.. المواطنية إقرار أولاً وارتضاء بالعيش من ضمن هذه المنظومة والتساوي بين جميع أفرادها..

تتكل جمعية "قيم" على عناوين دينية في بناء تجربتها، وهي تجربة قد تزيد من حال الانفصام التي يُعانيها العالم الإسلامي برمته، حال من الازدواجية المرضية تتجاور فيها قيم الدين مع أمور الدنيا، والدنيا مفسدة للدين، فتبدو "قيم" وكأنها تتعاطى مع مجتمع خاص، مجتمع "ديني" تريد أن تبنيه بمقياس الفقه، في منطقة ومع شريحة اجتماعية تتكل على "الفتوى" للتعاطي مع أمورها الدنيوية، والفتوى غير النظام والقانون، خصوصاً وأن الاجتهاد في مجتمع الضاحية مفتوح إلى حد المأزق في تعددية مرجعياته، حتى بات البيت الواحد لا يجتمع أفراده على يوم واحد يجتمعون فيه لبدء الصيام أو مجيء العيد!!

وفي حملة التوعية التي تنظمها "قيم" الدولة اللبنانية غائبة، فلا نشاهد أي مظهر من مظاهرها، فلا نشاهد أي إشارة تدل على وجودها، والنظام كلمة "مفتوحة" ولفظ "المواطن" أو مصطلح "المواطنية" غائب، كذلك مفرد "وطن"، فأي معيار تعتمد في بناء المواطن؟ لكأن حزب الله يخترع "إصلاحاً" اجتماعياً غير واضح المعالم، وهو في مرحلة لا تسمح له بإنشاء قوانينه الخاصة والمؤسسات التي تقوم على تنفيذها، فاستعان بالجزء المحتاج إليه من الدولة..

تحتاج تجربة قيم لتكتمل، وإن كان من باب "الوازع" الديني فالمؤمن الصالح عموماً هو مواطن صالح، ولكن ليس بالضرورة أن يكون الإيمان رديفاً للمواطنية، تحتاج هذه التجربة إلى تعاون وثيق مع الوزارات المعنية لترسخ مفهوماً تأخر طويلاً التفكير بإدخاله إلى الضاحية الجنوبية وهو مفهوم المواطنية والانتماء لوطن لا لمجتمع ذي ملامح خاصة..

وقد تكون الإشارة إلى التجربة السنوسية في إقامة مجتمع نموذجي مفيدة في هذا المقام، إذ تُعتبر الحركة السنوسية من حركات الإصلاح الدينية التي نشأت في القرن التاسع عشر، ويعود نسبها إلى السيد محمد بن علي السنوسي الخطابي الذي ولِد ببلدة مستغانم الجزائرية من عام 1787.

وكان إخوان الحركة السنوسية ينقسمون إلى أربعة أقسام و هي:

1- الملازمون للإمام السنوسي والقائمون بالأمور الإدارية والتعليمية في المركز الرئيسي.

2- القائمون بإدارة الزوايا "شيوخ الزوايا".

3- القائمون بالسفارة و نشر الدعوة و التفتيش على الزوايا و ما يتبعها.

4- القائمون على الزراعة و تربية المواشي و الصناعات المختلفة.

وقد كانت كل زاوية تحتوي على كل متطلبات الحياة الضرورية.. فيكون بها المسجد للصلاة و تعليم القرآن قراءة وحفظاً، و في أغلب الأحيان يكون شيخ الزاوية هو إمام المسجد والمعلم حتى يتهيأ من المتعلمين من يستطيع القيام بهذه الواجبات، كذلك يقوم إمام المسجد كذلك بإرشاد الناس وإصلاح ذات البين ودلالتهم على الله… كما يكون بكل زاوية مكانٌ مُعد للضيوف من عابري السبيل، وينتشر في الزاوية الصناع المهرة أصحاب المهن المختلفة، ويوجد بالزاوية المزارعون مع الآلات اللازمة للحرث والزرع و الحصاد، والدواب اللازمة للخدمة من خيل وإبل، وكانت كل زاوية تقوم بالإشراف على السكان المجاورين لها والقبائل المحيطة بها.. وكل زاوية تبعث بقسطها ما هو لازم وضروري للمركز الرئيس بعد حساب حاجتها وحسب مستطاعها من الحبوب والمواشي والأرزاق المختلفة.

صنعت التجربة السنوسية مجتمعاً صالحاً، إلا أنه اندثر لأنه كان منقطعاً عن جمع الأمة… لا يستطيع أي مكون من المكونات اللبنانية أن ينعزل عن باقي المكونات الاجتماعية، التعددية والاختلاط والتساوي بين المواطنين هو القالب الصحيح لمواطن كامل المواطنية، فالوطن لا يتجزأ والمواطن لا يتجزأ وكذلك الإحساس بمسؤولية المواطنية..

Exit mobile version