#adsense

تعكس المرآة ما ترى

حجم الخط

تعكس المرآة ما ترى

"وما المجتمع السياسي غير أهرام اجتماعية رُصفت بعضها الى جانب بعض، ولم تتصل إلا بنواتئها".
برتران دو جوفنال
كان أول ما قاله رئيس الوزراء الجديد في القصر الجمهوري إنه يقدم للبنانيين حكومة على شكل لبنان اليوم. قبل عقدين قدم رفيق الحريري حكومة على شكل لبنان الخارج من الصراع العسكري. سعد الحريري قدم حكومة تعكس الصراع السياسي الذي حل فورا محل محاولات القضاء على لبنان، التي عرفت باسماء كثيرة، اكثرها اختصاراً، الحرب.

انقسمت حكومة رفيق الحريري قسمين: واحداً يمثل البناء والادارة ومحاولات اعادة الدولة واحياء القانون ومد الجسور المقطوعة واستعادة الهاربين والفازعين والخائفين، وواحداً يمثل تدويم القلق. مقتله ادى الى بدء حرب اخرى، اعادت توزيع الناس، ونقلت النفوس من الطوائف الى المذاهب، وخلطت الولاءات القومية القديمة في مزيج جديد، وازداد لبنان عداء لاسرائيل لكنه ازداد ايضاً خلافاً على مفهوم العروبة، التي كانت قد صدئت من شمس الى شعار، فصارت مجموعة شعارات تحلق في مدارات مختلفة ومتعاكسة وجميعها فاقدة لفكرة العروبة التي نشأت على أمل التناغم والتجانس وتجاوز النتوءات التي ظهرت على مدى الايام وتبدل الدول.

حكومة الحريري الأب لم تكن حلا بل تبريرا للاستحالة. قيل له، وللبنانيين، إن السلم لا يصنعه إلا لوردات الحرب. لذلك رأى اللبنانيون ان حكومة الانقاذ ليست حكومة الخلاص، وانما هي تحويل المقاتلين سياسيين، وتدريبهم على القبول بفكرة قديمة وضعها الانتداب عام 1936، خلاصتها ان هذه المساحة المشرقية الصغيرة هي بلد 18 طائفة، اضيفت اليها في ما بعد الطائفة الانجيلية.

كان همّ فرنسا في "رسالتها التمدينية" ان تقيم دولا مسيحية في العراق وسوريا ولبنان، فلما عطل الانكليز المشروع، سعت الى ضم جميع طوائف المشرق الى دولة واحدة. واذ اكتشف عقلاء البلد عفن النظام الطائفي كانت الآفة قد حلت محل الخضرة. ولم يجد أبو تمام اجمل من الخضرة يصف بها الاخلاق: "فما اخلاقك الخضر الربى بأباعد"!

بين حين وحين، بين ازمة وازمة، بين حرب وحرب، يقوم فينا من يتذكر الغاء الطائفية. فما إن محوها من سجل النفوس حتى ظهرت في الشوارع والازقة، مذهبيات وفرقاً وغرائز ومصاغر. يُلبسون الدولة والوظائف والحقائب واللااخلاق اثواباً طائفية ثم يطالبون الصغار بالوئام والوفاق الوطني. وقد افادنا الشيخ الرئيس ابن سينا ان ما يشرق فهو حياة وما يظلم فهو موت. الطائفية موت.

مرّت ازمات حكومية كثيرة في لبنان، وكان البلد دائما بلد حصص وتوزيعات ومحاسيب وازلام. فقد ورث الحكم الوطني الانتداب في ربط حياة الناس برضا الدولة. وربطت معيشة الناس ولقمتها ودواؤها بعطف الدولة وصلف العهود وجلف المتحكمين والجاهلين. وعرف السياسيون منذ البداية ان ولايتهم مرتبطة بولائهم للحاكم، يعتلون اذا اعتلى، ويذهبون اذا ذهب. لذلك جعلوا ولاءهم واخلاقهم واولادهم لمصالحهم لا لناموسهم. وغالبا ما تعارضت وتناقضت راحة البال مع راحة الضمير. وصار الشائع والمقبول دون اعتراض ان "تضمن مستقبلك" وليس مستقبل بلادك. ولم يعد رأس الحكمة مخافة الله في خلقه، بل مخافة الخصم في نفوذه.

ورث الحريري الأب آثار الحرب ونتائجها وخلاصاتها، وورث سعد الحريري آثار الصراع السياسي الذي خلفه الاغتيال ونتائجه وخلاصاته. كلاهما جاء الى اعقد المراحل السياسية في تاريخ لبنان من هدوء دنيا الاعمال وفرصها وخيراتها. لم يرث رفيق الحريري احدا، لكنه رئيس الوزراء الوحيد الذي يترك رئاسة الوزراء لابنه. جميع الرؤساء الذين انتموا الى عائلات سياسية عاملة في الشأن اللبناني منذ ايام العثمانيين والفرنسيين والاستقلال، لم يقدَّر لهم ان يورثوا ابناءهم السرايا. اورثها الى ولده، رجل اقتحم السياسة من بساتين الليمون في صيدا. قطّافاً لا مالكاً.

أعاد الاب بناء "السرايا الكبيرة" وعلق على بابها "لو دامت لغيرك ما آلت اليك"، التي كان اول من رفعها عبدالله السالم على "قصر السِيف" في الكويت. ولم يكن يقرأ في القدر لأن الاقدار لا تقرأ. لم يتسنّ له ان يقيم في "السرايا الكبيرة" التي انقطع عنها في اصعق تراجيديات لبنان، لكن القدر نقلها الى ابنه.

لعلها، الآن، السرايا الوسط. فما عاد الحكم في السرايا ولا لها. وما عاد تشكيل الحكومة حقا لوليِّها وسيدها، حتى ان السياسي الجليل سليم الحص تكدر بما تعرّض له الرئيس المكلف، على رغم كل ما عارض واعترض هو خلال حكم والده. الاشياء في لبنان تتغير دون إعلان. والاعراف تتبدل دون إشهار. والدستور يعدّل دون سؤال. والناس لا تسأل رأيها في شيء.

تخالطت القضايا والمسائل، صغيرها بكبيرها. فما عاد الناس يعرفون إن كان الامر حقائب الموسم وخير الحصاد، ام هو المستقبل والوجود. فاذا كان الوطن حقيبة، لماذا كل هذا الصراع، واذا كان مصيراً فما هو مكان العدميات وصبيانيات العبث والاختيال؟
أبدى ميشال سليمان ونبيه بري وسعد الحريري سلوكا وطنيا جوهريا في ساعة الانفلات على كرنفال الحقائب ومساخر الحصص والاكياس. فلم يدّع احد منهم حقوق طائفته وغلتها، فيما كانت "حقوق المسيحيين" تتطاير في شكل مضحك، واحيانا وقح، وغالبا على ايقاع مولييري يصبح فيه كاره البشر مضحكاً ومريض الوهم مسلياً.

لقد روضنا على تحاشي الملاجئ، ولم نعد نعرف من يهددنا بـ"السلم الاهلي" ولماذا، ومن يمنّنا به، وكيف. ولذلك بدل ان تبدو حكومة سعد الحريري الاولى عملا تكافلياً في الاختيار، بدت صرخة انفراج. وكان الرئيس عمر كرامي قد قال وهو يقدم حكومته الاخيرة "ليس بالامكان احسن مما كان". اراد بذلك ان دوره الاساسي لم يكن التأليف بل قبول الضغوط وتجنب التعطيل.

المصدر:
النهار

خبر عاجل