#adsense

قمة العار !

حجم الخط

قمة العار !

كان يفترض في الحيتان الكبيرة ان تصل الى روما، وان تدخل القاعة وتتصبب عرقاً وخجلاً، وهي تجلس في مقاعد الاباطرة الاشد توحشاً، لتستمع الى كلام الامين العام للامم المتحدة بان كي – مون ثم الى شهادة البابا بينيديكتوس السادس عشر أمام قمة "الفاو" التي اعطيت اسم "القضاء على الجوع" بينما كان الاحرى ان تسمى "قمة الجوع… قمة العار"!

لكن زعماء مجموعة الثماني لاغنى دول العالم، باستثناء المضيف الايطالي، تغيبوا عن القمة، بما يؤكد صحة ما قاله هيرودوس قبل 2500 عام عن "العلاقات الوحشية بين الشعوب". وما كرره ونستون تشرشل في ما بعد عندما تحدث عن "البشرية المتوحشة".
كان يفترض في هذه "الحيتان السمينة" ان تستمع الى شهادة بان كي – مون الذي اختار ان يفتتح القمة بما يشكل ادانة مرعبة للوجدان الانساني وتقبيحاً صريحاً للحس البشري عندما قال:

"اليوم يموت اكثر من 17 ألف طفل جوعاً. طفل كل خمس ثوان. ستة ملايين سنوياً. هذا غير مقبول. علينا ان نتحرك. علينا ان نقوم بتغييرات جذرية لنؤمن الغذاء ونحمي الطبقات الاكثر فقراً".
من يجرؤ على النظر الى ساعة يده بعد؟

يا للهول. كلمات بان تليق بأكبر مأتم في التاريخ حيث يمكن ان ندفن الاطفال الموتى جوعاً مع الضمائر الميتة جشعاً في مقبرة واحدة. مقبرة البؤس الانساني. ذلك البؤس الذي اشار اليه القديس اوغسطينوس حين قال: "إن البحار ملأتها دموع الذين سبقونا"، في تدليل صريح على الشقاء المطلق.

❑ ❑ ❑

لكن الحيتان لم تأت لتستمع الى ما قاله البابا ايضاً، في سياق ما يشكل صرخة في وجه العلاقات الوحشية بين الشعوب، عندما رأى ان الجوع يأخذ شكلاً بنيوياً مخيفاً. والمخيف اكثر انه يُواجه بلامبالاة. وما يدعو الى مزيد من الخوف ان الانانية والمضاربات تصنع الجوع في أمكنة التخمة في أمكنة واخرى، وان الكثيرين يسعون الى الثراء باستغلال ثروات الآخرين!

تماماً على طريقة الاقنية المتصلة. الجوع هنا هو بنيوي، والى حد كبير نتيجة التخمة هناك. والشبع في دول الشمال الغني هو نتيجة امتصاص عافية دول الجنوب، بأساليب معقدة ومتداخلة، تأخذ شكلاً قَدَرياً لا فكاك منه، في ظل العولمة وقواعد السوق المفتوحة، وطبيعة توق البؤساء الى الالتحاق بركب الميسورين الذين يعرفون قواعد امتصاص "الدماء"… وليس ما يضيء ناطحات السحب في الشمال إلا استمرار الظلام الذي يسود في الجنوب.

كيف يمكن القضاء على الجوع في العالم، اذا كان المطلوب زيادة الانتاج الغذائي بنسبة 70 في المئة لاطعام تسعة مليارات انسان بعد اربعة عقود، واذا كانت الدول الغنية لم تلتزم مثلاً ما اتفق عليه، اي تأمين مبلغ 44 مليار دولار سنوياً لدعم الزراعة وخصوصاً في الجنوب الفقير، واذا كان عدد الجياع قد ارتفع منذ حزيران 2008 من 850 مليوناً الى 1,02 مليار؟

لكن القصة في فصولها السوداء ليست قصة زراعة وجوع فحسب، بل قصة سقوط مريع للحس الانساني الذي يبدو الحديث عنه مجرد رومنسية مفرطة في الوهم. ففي الواقع، وعلى المستوى الشمولي، ليس هناك ما يسمى حس انساني، فنحن في كوكب الوحوش.

❑ ❑ ❑

والدليل، على سبيل المثال لا الحصر، انه يعدم سنوياً في اميركا اكثر من ثلاثة ملايين عجل باطلاق الرصاص عليها ودفنها في التراب بهدف المحافظة على استقرار اسعار اللحوم. ويتم في كندا احراق ملايين الاطنان من القمح للسبب اياه، وكذلك الامر بالنسبة الى كميات هائلة من البن تُحرق في البرازيل لابقاء الاسعار مرتفعة.

أما في دول الاتحاد الاوروبي، فيتم انفاق اكثر من 300 مليون أورو سنوياً على اتلاف فائض الخضر والفواكه، التي تزيد على الاستهلاك والتصنيع ايضاً.
لكن الوحشية لا تقتصر على هذه التفاصيل الصغيرة قياساً بما تخفي الفوارق المرعبة بين الشمال الغني والجنوب الفقير، حيث يتزايد عدد الجياع باطراد، مع اتساع نطاق العولمة التي تفرض "قواعد" الرأسمالية الجامحة على كل شيء تقريباً، وهو ما سيؤدي عملياً الى مراوحة الفقراء في الفقر وصعود الاغنياء سلّم الثراء.

في ظل العولمة واستلاب الاقوياء خيرات الضعفاء، يمكن بعض الارقام ان تبعث فعلاً على الذعر، اذ من المؤكد ان اقل من 400 شركة كبرى تسيطر على ثلثي التجارة العالمية واكثر من ثلث الانتاج البشري. ويؤكد تقرير الامم المتحدة عن التجارة والتنمية (UNETAD) ان الثروة التي يملكها عشرة اشخاص في العالم (لم يذكر اسماءهم) تفوق الناتج القومي الاجمالي لكل البلدان الاكثر فقراً وعدد سكانها 600 مليون نسمة !

كما تفيد الارقام مثلاً ان قيمة منتجات طعام الكلاب والقطط في اميركا تساوي اربعة اضعاف الدخل الوطني لبلد مثل اثيوبيا عدد سكانه 37 مليون نسمة، وان قيمة مبيعات شركتي "جنرال موتورز" و"فورد" (قبل الأزمة الاقتصادية الاخيرة) كانت توازي الناتج القومي الاجمالي لدول القارة الافريقية!
في المقابل، وفي عالم الجوع والفقر، يقتات ملايين الاطفال من القمامة. في البرازيل هناك اكثر من 600 الف طفلة يبعن اجسادهن في الدعارة، وهناك اكثر من مليون طفلة جديدة في العالم الثالث يذهبن الى سوق الدعارة كل سنة. اما على المقلب الآخر فهناك 447 مليارديراً يملكون ثروات تساوي الناتج السنوي لنصف سكان الارض.

❑ ❑ ❑

ولماذا تغيب الحيتان عن قمة الجوع؟
لأن السلطة اليوم هي سلطة المال والاقتصاد، ولان معظم "القادة" ورجال الحكومات هم عملياً مجرد وسطاء ماليين ينفذون رغبات الشركات العملاقة وسياساتها.
والعمالقة لا ينظرون الى تحت عند اقدامهم، حيث يموت طفل كل خمس ثوان. فنحن جميعاً في "كوكب العار"، الذي وصفه المحلل الاقتصادي الفرنسي جيل كلانسيه بأنه اشبه بـ"سفينة تايتانيك" تأخذ الجميع الى القاع يوم تغرق!

المصدر:
النهار

خبر عاجل