#adsense

القيمة الدستورية للبيان الوزاري

حجم الخط

القيمة الدستورية للبيان الوزاري
المحامي جورج ابو صعب

اما وان الكلام عن البيان الوزاري على السنة بعض السياسيين الاقلويين في الاونة الاخيرة بلغ مرحلة من التعمية والتحريف بحيث بات يعطي انطباعا وكأن البيان الوزاري، شأنه شأن الدستور برمته وجهة نظر او معاملة شكلية لا بد من المرور بها، فيما الاهم والمهم في اماكن اخرى وتركيبات واليات مبتكرة تطغى على المؤسسات الدستورية المفترض ان تكون المكان الطبيعي والوحيد لممارسة السياسة والعمل الوطني الحقيقي. فاننا نرى لزاما علينا ومن باب تصويب الجهل المتعمد او الحقيقي لدى البعض من ان نلقي بعض الضوء على موقع وقيمة البيان الوزاري في النظام الدستوري عامة والنظام اللبناني خاصة.

اولا: يقول العلامة القانوني الفرنسي جورج بوردو: "… للحكومة المبادرة وللبرلمان المراقبة …"
Au gouvernement l’initiative – au parlement le controle
انها القاعدة الذهبية للنظام البرلماني الذي اعتمدته ارقى الديمقراطيات العالمية والتي نص عليها النظام الدستوري اللبناني.

فالنظام السياسي في لبنان ومن الناحية الدستورية هو برلماني بطبيعته اي انه النظام الذي فيه تكون الحكومة مسوؤلة امام الشعب في حين ان رئيس الجمهورية غير مسؤول الا في حالة خرق الدستور او الخيانة العظمى. فرئيس الجمهورية – وعلى الرغم بعض الصلاحيات التقريرية التي قد تتسع او تضيق تبعا للتعديلات الدستورية واولها تعديلات وثيقة الوفاق الوطني في الطائف، يبقى غير مسؤول امام البرلمان اي الشعب عن الاعمال التي يقوم بها والمواقف التي يتخذها، اي انه لا يخضع لمساءلة ومحاسبة وطرح ثقة به امام البرلمان لسحب الثقة عنه.

من يخضع لهذه الصلاحية قانونا هو مجلس الوزراء او الحكومة مجتمعة، وهذا ما يعرف بوحدة الحكومة او وحدة الجسم الحكومي: ما يعني تحمل الوزراء جماعيا وفرديا تبعة الاعمال الناتجة عن الصلاحيات المعطاة لهم.

Le cabinet constitue un organism doue de l’unite tant juridique que politique – la solidarite ministerielle est l’illustration de cette unite …
(l.Paoli- les techniques et les methods d’organisation du travail gouvernemental en France – revue internationale des sciences administratives – 1952- pp.530 et suiv.)

وهذه هي المسؤولية البرلمانية المحددة في المادة ( 66) من الدستور التي نصت في فقرتها الاخيرة :"… يتحمل الوزراء اجماليا تجاه مجلس النواب تبعة سياسة الحكومة العامة ويتحملون افراديا تبعة افعالهم الشخصية".

والجدير ملاحظته ان نفس المادة (66) من الدستور كانت تنص بعد تعديلها بموجب القانون الدستوري الصادر في 17 تشرين الاول 1927 في فقرتها الاخيرة وبالاضافة الى ما ذكر اعلاه على ان "… ويعد بيان خطة الحكومة ويعرض على المجلس بواسطة رئيس الوزراء او وزير يقوم مقامه".

فهذا النص الدستوري القديم لحظ بوضوح دستورية البيان الوزاري الامر الذي لم يرد في نفس المادة مع تعديلات وثيقة الطائف بل استبدل بالفقرة (2) من المادة (64) من الدستور الحالي التي نصت بوضوح ايضا على :"… وعلى الحكومة ان تتقدم من مجلس النواب ببيانها الوزاري لنيل الثقة في مهلة ثلاثين يوما من تاريخ صدور مرسوم تشكيلها …".

ثانيا: نتيجة للمسؤولية الوزارية المزدوجة التي نص عليها الدستور، على الصعيدين الجماعي والفردي، فان الثقة هي التي يترتب على كل حكومة ان تنالها لتبدأ بالحكم الصحيح والا تحولت الى حكومة تصريف اعمال سواء قبل نيل الثقة او بعد سحب الثقة عنها.

والثقة الدستورية هي ثقة الشعب، ذاك الشعب الممثل بالبرلمان اي بممثليه او نوابه، فالبرلمان في النظام اللبناني كما في سائر الانظمة البرلمانية هو الذي يمنح الثقة للحكومات وهو الذي ينزعها منها او يسحبها، وهذه الثقة لتمنح يجب ان تعبر الحكومة عن مشروعها وبرنامجها ورؤيتها لمعالجة القضايا الوطنية في مختلف المجالات العامة في البلاد. ولذلك فان البرلمان لا يستطيع منح الثقة الا بناء على صك مكتوب تتقدم به الحكومة من المجلس النيابي لطلب مناقشتها عليه والتصويت عليه باعطائها الثقة ام لا بناء على ما تعلن عنه الحكومة.

فالبيان الوزاري من الناحية الدستورية يتمتع بالقيمة الدستورية التالية:

+ انه الصك الالزامي لكل حكومة، الزامي في اعداده، والزامي في عرضه على البرلمان لمناقشته والتصويت عليه بمنح او عدم منح الثقة (الدكتور ابراهيم شيحا – النظم السياسية والقانون الدستوري – منشأة المعارف بالاسكندرية – 2000- ص414 وما يليها)

+ انه البيان الذي يتوجب على كل وزارة ان تتلوه على اعضاء البرلمان لانه يتضمن عرضا للسياسات العامة الداخلية والخارجية التي سوف تعطى على اساسها او لا تعطى على اساسها الثقة. ويقول الدكتور صبحي محمصاني "… البيان الوزاري هو الفعل الاساسي الذي تنطلق منه عملية منح الثقة او حجبها او نزعها …".

+ ان البيان الوزاري معيار المحاسبة البرلمانية للحكومة على اعمالها بعد نيلها الثقة بقدر ما هي معيار سقوط شرعيتها الدستورية في حال حجب او سحب الثقة عنها : ومن هنا فان البيان الوزاري يشكل الاساس للمحاسبة ولتمكين البرلمان من مقارنة المكتوب بالافعال للتمكن من ممارسة الرقابة والمحاسبة البرلمانيتين. ويستتيع ذلك القول ان البيان هو برنامج الحكم عملا بمبدأ ان الحكومة اداة حكم وليست اداة تنفيذ : فوضع الوزارة في النظام البرلماني يتميز عن وضع رئيس الجمهورية وعن وضع البرلمان، لان الحكومة تملك بموجب المادة (65) من الدستور السلطة الاجرائية وبالتالي تملك سلطة البت في رسم السياسة العامة للدولة في جميع المجالات وتنفيذها. لذلك تسأل وحدها عن سياساتها وعن ادارتها لدفة الحكم، وتكون بالتالي ملتزمة بالثقة التي منحت لها استنادا للبيان الوزاري الواجب ان يكون شاملا ومستوفيا كافة القضايا والملفات والمشاريع دون اي استثناء، لان اي موضوع لا يدرج في البيان لاتطاله الثقة واذا لا تطاله الثقة بطل البحث فيه او العمل عليه لانه فاقد لموافقة الشعب ولثقة ممثليه القانونية والدستورية .

ثالثا : النصوص الدستورية والمبادئ العامة الدستورية التي تطرقنا اليها كلها اعلاه تحملنا على استنتاجات هامة ابرزها :

أ‌- أ-ان البيان الوزاري ليس ترفا، بل هو عمل يدخل في صلب النظام البرلماني الديمقراطي وفي صلب التركيبة الدستورية للحكومة البرلمانية .

ب- ان البيان الوزاري اساس شرعية عمل الحكومة، فدون بيان وزاري لا ثقة ودون ثقة لا حكومة تحكم بل حكومة تصريف اعمال.

ج- ان البيان الوزاري ليس اختياريا في مواضيعه بل عليه ان يشتمل على جميع برامج وسياسات الحكومة – في مختلف المجالات – وبالتالي ومن الناحية الدستورية والقانونية الصرفة – ان اي موضوع لا يدرج في البيان الوزاري لا يطرح للثقة وبالتالي لا يجوز للحكومة ان تتداوله الا بالعودة الى المجلس النيابي للتصويت عليه رفضا او قبولا او تعديلا.

د- ان البيان الوزاري هو المادة الدستورية التي تمنح الحكومة بالثقة جواز العبور الى الحكم الفعلي كجهاز حكم وليس كأداة تنفيذ لسلطات اخرى لان الحكومة مجتمعة تملك السلطة الاجرائية والحكومة مجتمعة تحكم وترسم وتنفذ سياسة الدولة العامة دستوريا .

ه- ان البيان الوزاري اذا يجب من الناحية المبدئية الدستورية ان يتناول كافة القضايا الوطنية وموقف الحكومة منها ومن معالجتها، ولا سيما القضايا التي توصف بالقضايا الخلافية على قاعدة ما نصت عليه وثيقة الوفاق الوطني التي تبقى الحد الادنى الذي يمكن للبنانيين ان يتفقوا عليه. وهذا اقتراح نطرحه للنقاش باعتماد نص وثيقة الطائف في الشق غير المطبق منه في صلب البيان الوزاري ومن ضمن الشق هذا سلاح الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية والعمل على تحرير ما تبقى من ارض لبنانية .

و- البيان الوزاري اذا هو الصك الدستوري الذي على اساسه يمكن للحكومة ان تحكم اذا ما نال ثقة المجلس النيابي. ولكن يبقى السؤال الكبير: اين المجلس النيابي من هذه الالية وقد تحول الى مجلس حكومي فيما الحكومة اصبحت برلمانا وزاريا؟

المصدر:
كتاب

خبر عاجل