#adsense

بشأن الحكومة الجديدة…

حجم الخط

بشأن الحكومة الجديدة…
المحامي جورج ابو صعب

منذ تشكيل "حكومة الاستثناء " الحالية وثمة مواقف من هنا وهناك تتناول سياسة الحكومة وبرنامج الرئيس الحريري ولا سيما زيارته الى سوريا بالاضافة الى كلام عن حسابات ربح وخسارة في تشكيلة الحكومة وسجال بين العماد عون والوزير السابق وئام وهاب حول الدرو السوري في "تليين" موقف العماد عون فضلا عن مواقف مزايدة من هنا وهناك حول المرحلة الجديدة بما يوحي ان ثمة فريقا تراجع واخر تقدم.

اولا : بالنسبة لموضوع زيارة الرئيس الحريري الى سوريا : والذي يتناوب على التشجيع به قسم من اللبنانيين تحت شعار ضرورة طي صفحة الماضي وبدء مرحلة جديدة من التعاون والانفتاح والايجابية، سيما بعد القمة اللبنانية – السورية الاخيرة وكلام الرئيسين اللبناني والسوري حول التطورات الايجابية في لبنان.

في هذا الصدد نرى ما يلي :

بغض النظر عن موقفنا المبدئي من النظام السوري ومن ماضيه غير المشرف ولا المشجع مع لبنان وقسم كبير من اللبنانيين، ومع اننا في المبدأ ايضا نرحب باي سياسة انفتاح وتفاهم مع السوريين على اساس الندية والاحترام المتبادل لسيادة واستقلال البلدين وخاصة لبنان من قبل النظام في دمشق. الا اننا لانزال الى الان لا نفهم ما هي الاسس وما هي المعايير التي يعتمدها البعض في التشديد على ضرورة ان يبقى لبنان دائما ساعيا الى نيل رضى النظام السوري والمبادرة دائما الى التوجه اليه قبل او بعد اي تطور سياسي في لبنان، وكأن تحريك العلاقات وطي صفحة الماضي وافتتاح مرحلة جديدة بين البلدين ينتظر القرار اللبناني. في حين يعلم الجميع ان هذه المرحلة الجديدة التي نصبو اليها تتطلب اولا واخرا من النظام السوري ان يتنازل عن حلمه التاريخي في لبنان وعن رؤيته الاستيعابية للبنان على اساس انه محافظة سورية .

ثمة من قد يقول لنا الان اننا نعود دائما الى الوراء ولا نريد نسيان الماضي: وهذا خطأ لاننا نحن من يريد التقدم الى الامام ونسيان هذا الماضي، ولكن من أجل تحقيق ذلك على النظام السوري ان يعترف بانه كان مخطئا في لبنان وكان منحازا في لبنان وكان متدخلا لا بل محتلا للبنان وارادته الوطنية. فهو الذي دخل لبنان وليس العكس، وهو الذي اراد ابتلاع لبنان وليس العكس، وهو الذي لا يزال الى الان ورغم التمثيل الديبلوماسي، لا يزال يسنح لصحفه كما "الوطن" و"تشرين" بالتدخل في ثنايا وتفاصيل الشأن اللبناني منحازا لفريق ضد فريق. فالنظام السوري لا يزال الى الان يبقي على ابواب الشك في نواياه مفتوحة، ولا يزال يعتمد سياسة المنطقين واللسانين والوجهين، وهذا ما لا يطمأننا.

فاذا كان النظام السوري جديا في رغبته بفتح صفحة جديدة مع لبنان واللبنانيين لماذا لا يبت بموضوع ترسيم الحدود بين البلدين ويأخذ المبادرة الشجاعة بايداع الصكوك القانونية الامانة العامة للامم المتحدة كي ينزع من اسرائيل الحجة القانونية والسياسية لاستمرار احتلالها لبعض القرى اللبنانية في الجنوب الشرقي ؟

ولماذا لا يبت بملف المغيبين والاسرى اللبنانيين في السجون السورية ويقبل بلجنة تحقيق مطلقة الصلاحية تزور السجون وتطلع عن كثب على وجود او عدم وجود لبنانيين لديها ؟

ولماذا لا توقف التعاطي المزدوج مع اللبنانيين: من خلال القنوات السياسية كما تفعل مع الرئيس العماد ميشال سليمان والمؤسسات الدستورية اللبنانية وفي الوقت عينه تفوض وترخص وتسمح لبعض الشخصيات المحسوبة عليها من ان تنقل الرسائل والمواقف والرؤى السورية من الوضع اللبناني؟

فانطلاقا من ملاحظاتنا اعلاه نرى ان هذه المعادلة بالاتجاه الواحد يجب ان تكون في صلب تقويم وتقييم الحكومة الجديدة والرئيس الحريري شخصيا، لانه اذا كان مهما جدا التعاون بين البلدين وفتح صفحة جديدة الى ما هنالك من مقولات. فالمهم والاهم ايضا ان نعمل على افهام النظام السوري بان لبنان ليس مدينا لاحد بوجوده ولا مدينا لاحد بحكومته وليس مدينا لاحد باستمراره دولة ذات سيادة، وبالتالي لم يعد مقبولا ولا مطروحا ان نبقى كلبنانيين نذهب الى دمشق بعد كل تطور لبناني داخلي للوقوف على رأي او رضى او حتى على موقف بروتوكولي من النظام في دمشق.

اذا عدنا الى خريطة الزيارات الرسمية وتاريخ خط بيروت- الشام نجد احصائيا ان عدد الوافدين من شخصيات لبنان عبر تاريخ الازمة اللبنانية الى اليوم يفوق بكثير عدد الوافدين من دمشق الى بيروت. وهذا وجه من اوجه الخلل في العلاقات التي لا نقيسها باعداد الزيارات بل انطلاقا من هذا المثال لنقيس مدى تجذر قناعة جماعية لدى البعض من ان زيارة دمشق هي دائما حتمية تاريخية او سياسية او بروتوكولية وان علينا نحن اللبنانيين ان نتوجه دائما الى دمشق عند كل استحقاق وقبله وبعده لتكتمل حلقة تطور ما او حدث ما.

من هنا ندعو الرئيس الحريري والذي نقدر له الدور الكبير الملقى على عاتقه – ان يعمل مع النظام السوري على بلورة هذه التحفظات وعلى افهام من يجب بان لبنان – اذا كان يريد ويطمح بعلاقات جيدة وممتازة مع سوريا. الا ان ذلك لا يمكن ان يستمر باتجاه واحد وبمبادرات لبنانية فقط باتجاه الشام، خصوصا واننا الان بلدان مستقلان وسيدان يتبادلان تمثيلا ديبلوماسيا وعلاقات ندية. وبالتالي اذا كان لا بد للرئيس الحريري من ان يذهب الى دمشق فلتوضح الاسس التي على اساسها هو ذاهب، لا ان تبقى تندرج هذه الزيارة في خانة روتينية من امر واقع متعرج تجذر في عقلية لبنانية تابعة تأبى الا ان ترى لبنان بعين سورية وقضايا لبنان بعين مصالح سوريا فقط، خاصة وان ذهاب الرئيس سعد الحريري ابن الشهيد الكبير رفيق الحريري يجب ان يحمل معه شيئا على قدر تحديات المرحلة الجديدة وسياسة الانفتاح الجديدة التي لا يجب ان تعني او تفهم على انها استمرار لنهج الارتباط والترابط القدري بين البلدين على قاعدة الشعور بالزامية التوجه الى سوريا من باب الضرورة فيما مسوؤلوا دمشق يعدون على اصابعهم المناسبات القليلة لزياراتهم الى بيروت. وهم طبعا مطمئنين الى ان لهم في بيروت من يمثلهم خير تمثيل وكأنهم هم شخصيا حاضرين، فهذا المنطق يجب ان يتوقف… وعلى الرئيس الحريري العمل على ذلك.

لكن يبقى اننا وفي ظل الوضع الراهن لا نرى ما يبرر الاستعجال في الزيارة ولا نرى ما يبرر جعلها وكأنها الانجاز الكبير والحتمي والمنتظر لتصبح الامور عظيمة في لبنان – فنحن مع الزيارة التي تأتي من ضمن برنامج زيارات دولة او زيارات عمل يقوم بها الرئيس الحريري من ضمن برنامج زمني معين بعد شهر او شهرين او سنة – اما ان تظهر وكأنها حتمية والان قبل الغد وخاصة بعد تشكيل الحكومة مباشرة – فاننا نرى في ذلك وجها من اوجه استمرار التبعية المعنوية والنفسية ان لم نقل السياسية التي تتناقض مع مبادىء ثورة الارز وما امن به مليون ونصف مليون لبناني وما زالوا…

ثانيا: بالنسبة للسجال بين العماد عون والوزير السابق وئام وهاب حول تدخل سوري "لين" موقفه من التشكيلة الحكومية وانكار عون لذلك : فمما لاشك فيه وليسمح لنا العماد عون وكل من يتبنى مواقفه : ان زيارة الوزير باسيل الى دمشق قبل انعقاد اجتماع اقطاب المعارضة الذي تقرر بنتيجته قبول التشكيلة النهائية – دليل قاطع لا يرقى اليه شك بان الزيارة لم تكن "فقط" واجبا اجتماعيا بقدر ما كانت بمثابة زيارة اخذ الضوء الاخضر او بالاحرى زيارة اشارة السير في التشكيلة.

وهنا نسجل الاسف الكبير للدرك الذي اصبح فيه من نادى يوما "بقلع المسمار" وبقانون محاسبة سوريا" و"بارهاب الدولة السورية في لبنان" … لهو مؤسف حقا ان نرى هذه الطروحات قد اندثرت لدى الجنرال امام باب الطموحات الشخصية والتفسيرات البهلوانية لمعادلات لا اساس لها من الصحة والحقيقة كالقول مثلا بان الاحتلال السوري انتهى ما يعني انتهاء العداء مع سوريا والجنرال يعلم … او اقله قسم كبير من انصاره يعلمون ان سوريا لم تكن محتلة للبنان فقط عسكريا واستخباراتيا بل كانت ايضا تحتله سياسيا ومن خلال شبكة اتصالات حليفة ومؤيدة لها نسجتها مع عدد من الشخصيات الذين ما زال القسم الاكبر منهم الى يومنا هذا وباتوا حلفاءه حتى الساعة.

المؤسف ان العماد عون وصل الى هذا الحد من تبرير ما لا يبرر وما لا يمكن ان يبرر في مطلق الاحوال سقوط شهداء الجيش اللبناني الذين سقطوا في ذلك اليوم من شهر تشرين الاول 1990 دفاعا عنه وعن خطه السياسي يومها، وهوتمنع ولا يزال عن اثارة قضية رفاتهم مع النظام السوري الذي استقبله استقبال الفاتحين لانه قرر يوما نكران تاريخه ونكران ثوابته ونكران تضحيات الذي أمنوا به .

ثالثا : اما بالنسبة لما يحكى من هنا وهناك بالهمس احيانا وبالتصاريح احيانا اخرى حول حسابات الربح والخسارة في التشكيلة الحكومية الجديدة – فاننا واذ نعتبر كما سبق لنا وكتبنا – ان تلك الحكومة حكومة اسقاط النظام الدستوري الديمقراطي البرلماني الجمهوري وبانها حكومة بدعة "الديمقراطية التوافقية" التي ستنسحب على مختلف اوجه واليات التقرير في مختلف ادارات الدولة والمؤسسات في المرحلة المقبلة، الا اننا نقول ان المشكلة في هذه الحكومة ان لا المنتصر في الانتخابات ربح ولا الخاسر في الانتخابات خسر لا بل انقلبت الادوار: فالمنتصر خسر معركة اكثريته داخل تشكيلة الحكومة والخاسر انتصر في معركة فرض اقليته داخل التشكيلة الحكومية للتعويض عن خسارة الانتخابات النيابية، ما أدى الى اسقاط ارادة الشعب واسقاط منطق المؤسسات وروح الديمقراطية الدستورية وضوابط النظام البرلماني الجمهوري.

وبالتالي ان من يعتقد انه انتصر في هذه التشكيلة هو من يرى انه حقق فقط مكاسب شخصية وذاتية وانية، ومن يعتبر انه خسر فقط فانه خسر في الحقيقة الوطن ليربح السلم الاهلي: لان المعضلة اليوم باتت في التفاضل والمفاضلة بين مفهمومين من المفترض ان يتكاملا لكنهما باتا متناقضين على ارض الواقع : مفهوم السلم الاهلي ومفهوم الديمقراطية. فالديمقراطية – هي التي تساهم في تمكين الجميع من التعبير عن افكارهم وارائهم ومشاريعهم وبالتالي لا يكون هناك رأي طاغ على اخر ولا فكر طاغ على اخر، بل تتصارع الافكار والبرامج والمشاريع لتنتج الافضل للصالح العام بتحكيم واختيار المجموع اي الشعب، وبالتالي تتعزز اسس السلم الاهلي انطلاقا من تعزيز التوازن بين الجميع واتاحة الفرص امام الجميع ليبقى الافضل والانجح. اما في لبنان اليوم فاذا نادينا بالديمقراطية ولم نضف اليها مصطلح "التوافقية" فاننا نرتكب جناية الخيانة العظمى ويهدر الدم والاعراض.

فالسلم الاهلي بات اليوم رديفا للسلم المبني على عدم الاعتراف بالديمقراطية وعدم الاقرار بالحق في الاختلاف وبالتالي بعدم الاقرار بالحق في الخيار بين مشروعين او فكرين او رأيين. فنتحول تدريجيا الى نظام الاجماع ونظام الحكم الجماعي ومن يدري غدا او بعد غد نظام عدة رؤوس وعدة توجهات فيضيع النظام ومعه يضيع القرار الوطني.

هذه هي الخطورة الحقيقية لما جرى وسوف يجري بعد اليوم اذا لم يتنبه اللبنانيون الى المسار الذي نسلكه، والذي في ظاهره توافق وايجابيات ووحدة ولكن في داخله اهتراء وتلاشي على مراحل لبقايا نظام لبنان الدستوري والتاريخي.

وبالتالي هنا نصبح جميعنا، في منطق ميزان الربح والخسارة خاسرين …

المصدر:
كتاب

خبر عاجل