#adsense

بين المخدرات والنبيذ… هيبة الدولة وثقافتها

حجم الخط

بين المخدرات والنبيذ… هيبة الدولة وثقافتها

"المثقفون" وكأس النبيذ والوزير الجديد

سمعت وقرأت كلاما طاول وزير الثقافة الجديد سليم وردة، وفي بعضه اساءة الى الوزير الشاب لجهة امتلاكه مصنعاً للنبيذ والعرق، وارتباط ذلك بالثقافة، وتخوف من الا يحقق الوزير الجديد آمال"اهل الثقافة" وتطلعاتهم.
وهنا تساءلت من هم "اهل الثقافة" اولا؟ هل ان الكاتب، اي كاتب، هو مثقف؟ الم يطلع هؤلاء على نوعية رديئة ومنحطة موجودة في الاسواق حاليا؟ الم يكتشفوا حجم السرقات الادبية لدى مجموعة من الاكاديميين المثقفين الذين "يبيضون" كل سنة كتابا؟ الا ينتقد "اهل الثقافة" بعضهم البعض على المستوى الادبي والشعري مع كثيرين؟

هل يرتبط المستوى الثقافي بكتاب يشتريه معظم الناس خجلا أو خوفا من المؤلف اذا كان مسؤولا عن صفحة ادبية ما في صحيفة معينة، حتى لا يحجب عن القراء اخبارهم وعرض مؤلفاتهم؟ الا يكتب معظم "الزملاء" بعكس اقتناعاتهم في المؤلفات الجديدة؟

وفي المقلب الآخر، اي وزير اعجب هؤلاء "المثقفين"؟ وهل امكن الوزير السابق تمام سلام، ان يجمع اهل الفن في نقابة واحدة؟ لقد اختلفوا مرارا حول اقرار القوانين التي ترعى شؤونهم، وصمت الوزير امام الاعلام حتى لا يفتضح امرهم. ووصلت خلافاتهم الى اللجان النيابية وكاد مشروع القانون ان يطير لولا حكمة سلام ومعاونيه.

اختلفوا حول مشاريع بيروت عاصمة للكتاب، وتنافس اكثرهم لا على الجودة بل على الملايين التي يمكن ان يقبضوها من صندوق الوزارة، وصار اكثرهم يكيل المديح للمشرفين على المشروع لنيل رضاهم "المالي".

حجبوا قصائد بعضهم البعض عن صفحات الصحف والمجلات، لا بدافع رفع المستوى، بل بدافع الحسد والخلافات المستحكمة في ما بينهم، فتحولت كل صحيفة منبراً لمجموعة من اهل الشعر والادب لا تنفتح على مدرسة اخرى.
تراشقوا بالبيانات والبيانات المضادة حتى وصل الامر الى آل الرحباني رغم ما لهم من قيمة فنية ووطنية لا يمكن المس بها.

معرض الكتاب صار معارض واخذ وجهة طائفية مذهبية صنعها المثقفون انفسهم قبل ان "يلملموا" الوضع قليلا.
شعراء تحولوا الى البلاط فكتبوا في من لا يوصف لشدة انحطاطه، ناهيك عن تحول الشعر الزجلي عملا يوميا في المآتم لمديح من يدفع اكثر.

فنانون غنوا في ساحة الحرية للرئيس رفيق الحريري ولشهداء الوطن واحتفلوا بخروج الجيش السوري في 2005 ثم توجهوا الى دمشق ينشدون للرئيس السوري لقاء حفنة من المال.
آخرون سافروا لمديح انظمة عربية توتاليتارية، وكانوا بين الاغنية والاخرى، يحيون انفتاح ملوكها ورؤسائها وديموقراطيتهم المتأصلة.

وزيرة التربية تعاوناً مع الجيش دخلت على خط مصالحة فنانين بعدما كالوا الشتائم لبعضهم البعض على الهواء مباشرة.
"المثقفون" عقدوا مؤتمراً تلو الآخر، وخاضوا في موضوع الحوار بين الاديان منذ اكثر من 30 سنة، لكنهم فشلوا في الوصول الى الناس، فاختبأوا خلف جدران فنادق بيروت لممارسة الترف الفكري الذي لا يقدم ولا يؤخر.

ما شأن وزارة الثقافة في كل ذلك؟ هل تصنع العجائب؟ ام تدير الازمات كما على كل الصعد وفي كل المجالات في وطن معلق بين الارض والسماء؟

في ظل هذا الواقع اعود لأسأل عن تعريف الـ"مثقفين" الذين يتخوفون ويخافون ويصولون ويجولون لأجل اهداف غير واضحة الا رغبة احدهم في الوصول الى كرسي النيابة او الوزارة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه "هل ان اي فنان او مثقف ناجح في عمله سيكون ناجحا في موقع اداري مسؤول؟".

واخيرا ماذا عن "ثقافة" النبيذ؟ ان صنع النبيذ ثقافة في ذاتها، وتخزينه كذلك، وتقديمه ايضا، والاهم تذوقه، ولهذا علاقة كبيرة بالابداع، لأن معظم الاعمال الابداعية ولدت في لحظات النشوة المتأتية من كأس نبيذ معتق، ما ان أفاق مبدعوها حتى تراجعوا.

اذاً للنبيذ علاقة بالثقافة والابداع، وعلى المثقفين ان يتقدموا من الوزير الجديد بطلبات لشراء النبيذ بسعر مخفوض شرط ان يحمل كل منهم بطاقته او يضع على جبينه عبارة "مثقف".

كم سيتعب "حزب الله" مع منطق الدولة؟

خطوة جريئة سلكها "حزب الله" بمشروعه لإعادة الدولة الى الضاحية الجنوبية عبر تعزيز عناصر قوى الأمن الداخلي ودعمهم للقيام بواجباتهم، خصوصاً في مكافحة آفة المخدرات وسرقة السيارات ولجوء سارقين الى أحياء الضاحية (معقل الحزب) وشوارعها والتلطي خلف ما يعرف بـ"المربع الأمني" الذي زال عملياً في 2006 لكن وهجه ظل حاضراً ليحول معظم الضاحية مربعاً أمنياً.

وتركيز الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله على موضوع المخدرات يؤكد بما لا يقبل الشك حجم المشكلة في الضاحية تحديداً، وحجم التحديات الاجتماعية التي ظن مجتمع الحزب انه بمعزل عنها قبل أن تتكشف أمور كثيرة وكبيرة مع قضية صلاح عز الدين ومع مخزن خربة سلم وغيرهما من الحوادث.

ماذا قال السيد عن المخدرات:
"هناك محاولة لتدمير ثقافة المقاومة، وهناك موضوع عابر للمناطق والطوائف والاحزاب هو موضوع المخدرات. للأسف الشديد هناك اختراع في البلد هو حبوب المخدرات التي دخلت الى المدارس المتوسطة والجامعات، وهناك البعض يعطون الشاب او الصبية حبوب مخدرات على اساس انها حبوب حلويات ويخلقون ادمانا. هذا الموضوع اخطر من العلاقات الجنسية غير الشرعية لأن المدمن على المخدرات يعيش انهيارا للقيم ويقتل ويترك عائلته ويسرق ويصبح جاسوسا ويفعل اي شيء. شرب المخدرات هو الباب لكل الآفات. في الترويج للمخدرات تستخدم حجة ان الناس لا عمل لديها وتعيش الجوع وهذا كذب، فهؤلاء ليسوا فقراء بل اغنى الاغنياء مجرمون وقتلة. اسرائيل تعمل على ترويج المخدرات في بلدنا ومجتمعاتنا وعائلاتنا وتتهمنا في المقابل بترويج المخدرات في المجتمع الاسرائيلي. اود ان يسمعني الجميع، كل مراجعنا يقولون بحرمة بيع المخدرات وترويجها".

لكن التحدي الكبير فعلا امام الحزب قبل غيره ليس المخدرات التي لا يختلف اثنان على محاربتها (في ما عدا التجار طبعا) بل هو اعادة منطق الدولة الى الضاحية اولا، والى كل المناطق التي يسيطر عليها بفعل الامر الواقع.

ربما يكون الحزب في الفترة الاخيرة لم يرع عمليات المخالفات والاستقواء على الدولة (ربما)؛ لكنه في الواقع غض النظر والطرف عن تلك المخالفات لزمن طويل، وتعامل معها كأنها أمر واقع لا مهرب منه، أو كأنها حاجة لدى ناسه وجمهوره المقاوم، مشجعاً بطريقة غير مباشرة تلك المخالفات، ورفض منطق الدولة والاستقواء عليه، وصار صعباً اليوم فرض التغيير ولو بقوة الدين والآيات القرآنية، اذ ان الكثيرين، ولو مؤمنين، يتنكرون للقيم والعقيدة، أمام بعض كهرباء وماء، وارض للغير تم البناء عليها…

هي قوة للحزب أن يضع نفسه امام تحد من هذا النوع، ولا اعلم ما اذا كان يترقب النتائج الايجابية فعلا، لكن الخطوة بالتأكيد ايجابية جدا. ولن نعلق اليوم على الجانب السلبي منها والمتعلق بحاجة الدولة اكثر فأكثر الى الاحزاب والطوائف لتفرض هيبتها.

المصدر:
النهار

خبر عاجل