البحث عن الصيغة التي تمنع استمرار البلاد ساحة للصراعات
الحياد الإيجابي أم لبنان مركز الحوار للثقافات والأديان ؟
تساءل مرجع ديني: ما دام الجميع يدعون الى بقاء لبنان خارج صراعات المحاور فلا يبقى مساحة مفتوحة لها ويتكبد خسائر بشرية ومادية جسيمة ليس خدمة لمصلحته انما خدمة لمصالح الآخرين، لماذا لا يتفقون سواء في مجلس الوزراء خصوصاً بوجود حكومة تتمثل فيها الاكثرية والاقلية بمختلف اتجاهاتها ومشاربها ومذاهبها او في طاولة الحوار بحيث يكون موضوع تحييد الساحة اللبنانية عن اي صراع عربي واقليمي ودولي باستثناء الصراع مع اسرائيل، وان يصير البحث قبل اي موضوع آخر في طريقة تحقيق ذلك وما هي الصيغة التي ينبغي اعتمادها بموافقة الجميع؟ هل هي صيغة جعل لبنان مركزاً لحوار الثقافات والحضارات التي دعا اليها الرئيس ميشال سليمان اكثر من مرة في المحافل الدولية ولا سيما امام الجمعية العمومية للامم المتحدة وفي القمة الفرنكوفونية في كندا مشيراً الى ان "فلسفة الكيان اللبناني تقوم على الحوار والوفاق ومختبراً فعلياً لحوار الثقافات والديانات، وهو ما كان اشار اليه البابا الراحل يوحنا بولس الثاني وعبّر عنه خير تعبير بقوله في رسالتين اليه "ان لبنان هو اكثر من بلد انه رسالة، رسالة حرية ونموذج في التعددية للشرق والغرب وساحة للحوار ولتعايش ثقافات واديان مختلفة".
ويذكر ان فكرة اعتماد لبنان "مركزا دولياً لحوار الاديان والثقافات عملت على صياغتها وبلورتها مجموعة من المفكرين والمثقفين. وقد قامت هذه المجموعة وعلى رأسها السفير فؤاد الترك باتصالات واسعة شملت القيادات اللبنانية الدينية والسياسية ونالت تشجيعاً منهم، كما شملت دوائر ومراجع دولية باعتبار ان الترجمة العملية لهذه الفكرة تتطلب توافقاً لبنانياً على تحويل هذه الفكرة الى مشروع بعيداً عن سجالات اعتماد الحياد، تضعه الحكومة وتوافق عليه ثم ترفعه الى الامم المتحدة، حتى اذا ما وافقت على اعتماد لبنان مركزاً دولياً للحوار، فإن هذا يشكل حماية لوضع لبنان الجديد.
وقال السفير الترك على اثر زيارته ومجموعة من اصحاب الفكرة للرئيس سليمان قبل اشهر: "ان لبنان لا يقاس بمساحة ارضه ولا بعدد سكانه ولا بموارده الطبيعية وانما بدوره في المنطقة والعالم كي يكون له قيمة وموقع ومبرر وجود وديمومة، وذلك بأن تكرس الامم المتحدة لبنان مركزاً دائماً لحوار الاديان والثقافات فتصبح بيروت المكان الذي يحج اليه رجال الدين والثقافة والمهتمون باشاعة السلام في العالم، وهذا ما يكرس نهائياً هوية لبنان الحوارية والثقافية والتعددية والدينية التي تميزه وتجعلها نعمة تعتز بها وليس نقمة تتحول بين فترة واخرى الى بؤرة فتن وحروب تضع لبنان في كل مرة في دائرة التساؤل هل هو وطن قابل للحياة ام انه وطن قيد الدرس والاختبار"!
لذلك مطلوب من حكومة الوحدة الوطنية او من مؤتمر الحوار اذا ما عاود عقد اجتماعاته في القصر الجمهوري الاجابة عن السؤال المزمن: اي لبنان نريد كي يوضع له نظام ودستور.
وهل نريده دولة سيدة مستقلة قائمة بذاتها؟ وهل نريده جزءاً من امن امة عربية ام من امة سورية: هل نريده وطناً اسلامياً ام مسيحياً ام فينيقياً هل نريده عربي الانتماء يستسيغ الخير النافع من حضارة الغرب، هل نريده دولة فدرالية او اتحادية، هل نريده هونغ كونغ ام هانوي ام هل نريده صاحب دور ورسالة، منفتحاً على محيطه الاقرب وعالمه الارحب متفاعلاً معهما".
اما الفكرة الاخرى وان تكن تثير الجدل، وتحول دون بقاء لبنان ساحة للصراعات الاقليمية والدولية، فهي اعتماد الحياد الايجابي الذي دعا اليه النائب وليد جنبلاط في مقاله الاسبوعي في جريدة "الانباء" منذ اكثر من سنة تحت عنوان: "الحياد الايجابي مدخل لاستقرار لبنان" جاء فيه: "الاستقلال يبنى مع المقاومة ومع قبولها بالاستيعاب التدريجي ضمن الجيش الوطني في مواجهة اسرائيل، وهو ما سيرفع بشكل كبير من قدرات هذا الجيش على المواجهة. ان هذا الاستيعاب اذا ما تحقق سيؤدي تدريجاً الى قبول جميع الاطراف السياسية بمبدأ الحياد الايجابي، اي لا يكون لبنان ساحة بل دولة مثل سائر دول العالم لا يتم استخدامه لتصفية أية صراعات اقليمية او دولية على أرضه، فأي صفقة تضرب المرتكزات الوطنية التي تحققت بفعل نضال قوى 14 آذار ووحدتها هي خيانة واي استسلام هو خيانة. فقوى 14 آذار حققت حماية منجزاتها لاسيما عند المنعطفات الكبرى، لكنها لم ولن تتخلى عن ثوابتها. فنضالها معمد بالدم، وهذا النضال ادى الى انشاء المحكمة الدولية التي ستأتي بالحقيقة والعدالة لكل شهداء "ثورة الأرز".
وجدد الرئيس أمين الجميل في احاديث له الدعوة الى الحياد الايجابي رافضاً ان يكون لبنان طرفاً في اي من المحاور التي تجعله ساحة للصراع.
وكان وفد "نداء بيروت من أجل السلام الآن" قد زار الرئيس سليمان في آذار الماضي وسلمه نسخة من "المبادرة من أجل تحييد لبنان عن الصراعات المسلحة في الخارج وتحييد الدولة عن الصراعات الطائفية في لبنان" وهي مبادرة تلتقي مع ما تضمنته "شرعة العمل السياسي" التي اطلقتها الكنيسة خصوصاً لجهة "التزام قضية السلام القائم على العدالة والابتعاد عن سياسة المحاور الاقليمية والدولية وتحييد لبنان مع تعزيز قدراته الدفاعية، وبحث الوفد ايضاً في المبادرة التي اطلقها الرئيس سليمان في الامم المتحدة من أجل ان يصبح لبنان مركزاً دولياً لادارة حوار الحضارات والثقافات ومختبراً لهذا الحوار.
ويرى المرجع الديني ان اهم انجاز تحققه حكومة الوحدة الوطنية او مؤتمر الحوار الوطني عند معاودة عقد جلساته في القصر الجمهوري هو الاتفاق على الصيغة التي تحول دون جعل لبنان ساحة للصراعات الاقليمية والدولية وتصفية الحسابات على ارضه، فيتكبد عن الآخرين خسائر بشرية ومادية جسيمة، وهذه الصيغة اما ان تكون بجعل لبنان مركزا لادارة حوار الحضارات والاديان والثقافات، واما تحييده عن الصراعات الاقليمية والدولية، باستثناء الصراع مع اسرائيل الذي لا ينتهي الا بتحقيق السلام الشامل والعادل، او الاتفاق على اي صيغة اخرى للبنان تجنبه هذه الصراعات.
الواقع، ان لبنان لا يمكن ان يكون مركزا لحوار الحضارات والثقافات والاديان كما لا يمكن ان يكون في موقع "الحياد الايجابي" ما لم يتفق اللبنانيون على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم على العودة الى شعار "لا شرق ولا غرب" الذي اعتمده ميثاق 43، لأن اي فئة لبنانية تشرق، سوف تجعل فئة اخرى. تغرّب فيبقى لبنان عندئذ ساحة مفتوحة لصراعات المحاور مهما تكررت تصريحات مسؤولين وسياسيين يؤكدون فيها انهم يريدون لبنان دولة لا ساحة… فلو ان لبنان كان فعلاً دولة لا ساحة، لما كانت وقعت حوادث 1958 ولا حروب عام 1975 ولا الحروب مع اسرائيل ولا كان انتخاب رؤساء الجمهورية وتشكيل الحكومات فيه يتم في الخارج…