النموذج اللبناني محوري في مواجهة تلاعب الممانعين بفسيفساء المنطقة

آن الأوان لمرحلة جديدة تتجاوز الرومانسية ولا تكتفي بالواقعية البحتة
النموذج اللبناني محوري في مواجهة تلاعب الممانعين بفسيفساء المنطقة

لا مناصَ من الإعتراف بأنّ تأثير حركة الإستقلال اللبنانيّ الثاني على راهن التفكير السياسيّ العربيّ بقيَ متواضعاً، وأنّ تواضع التأثير أوصد أبواباً أساسيّة أمام حركة الإستقلال اللبنانيّ الثانيّ كما أمام التفكير السياسيّ العربيّ، الأمر الذي أعاقَ "تحقّق" البعد العربيّ لثورة الأرز، كما أعاق استفادة منظومة الاعتدال العربيّة من النموذج اللبنانيّ. وقد ساهم كل ذلك في اقتناص منظومة الممانعة الإقليميّة لنقاط ثمينة لصالحها، متكئة بالدرجة الأولى على نموذجها اللبنانيّ هي، أي النموذج الذي يختزل البلد إلى مجرّد ساحة.

وكانت النتيجة أنّ حركة الإستقلال اللبنانيّ اضطرّت للغرف من معين "الممانعة" وأدبيّاتها ساعة وجدت نفسها مدفوعة الى إعادة الإهتمام بالبعد العربيّ، وذلك بدل الإنصراف إلى تحقيق البعد العربيّ العضويّ في ثورة الأرز، وهو بعد "ضّد الممانعة" شكلاً ومضموناً. بمعنى آخر، عندما أرادت حركة الإستقلال اللبنانيّ أن توفّق بين لبنانيّتها وعروبتها وجدت نفسها توفّق بين "الإعتدال" و"الممانعة".

وهكذا ظلّ البعد العربيّ لثورة الأرز غير متحقّق، أو حبيس التأكيد "المبدئيّ" على العروبة، في معرض دفاعيّ أو سجاليّ، وليس في إتجاه تأسيسيّ، إنطلاقاً من لبنان، لواقع عربيّ جديد من شأنه إخراج المنطقة من منطق "لا سلم ولا حرب" وإخراج كل دولة عربيّة من منطق "تأبيد نظام الطوارئ أو حال الإستثناء" وإنتشال المجتمعات العربيّة من ثنائية "التزمّت" و"الإستهلاك" وتحرير الثقافة العربيّة من العقم والشعوذة ونظريّة المؤامرة.
وفي المقابل، لم يهتمّ أولئك الذين يعلون من أولوية الديموقراطية فوق كل أولويّة بدراسة نموذجيّة التجربة اللبنانيّة، وبالدرجة الأولى نموذجية الحراك الإستقلاليّ اللبنانيّ، وكذلك لم يهتمّ أولئك الذين يعلون من أولوية الإستقرار فوق كل أولويّة بدراسة نموذجيّة النضال اللبنانيّ من أجل بلد يتجاوز منطق الحرب الأهليّة داخليّاً ودورة الحروب العبثيّة إقليميّاً.

كان الحدث الإستقلاليّ اللبنانيّ مشهديّاً في البداية، وله مؤثّرات تُبهِر وتُلهِم، إلا أنّ وهج هذا الحدث سرعان ما خفت عربيّاً، لأنّه لم يتحوّل إلى حدث تأسيسيّ بالنسبة إلى التفكير السياسيّ العربيّ، مع أنّ كل شيء كان يرشّحه للعب هذا الدور. ذلك أنّ هذا الحدث الإستقلاليّ اللبنانيّ كان يمكن إختصار قيمته التاريخيّة في معادلة واضحة وبسيطة: إنّه للإفلات من جمود بعض الممانعين ودرء جنوح المغامرين منهم فلا بدّ من مزاوجة قضيّتي الديموقراطيّة والإعتدال في العالم العربيّ، فبدلاً من نماذج "الإعتدال العربيّ" السلطويّة أو النخبويّة، طرحت ثورة الأرز نموذجاً ديموقراطيّاً لـ"الإعتدال العربيّ"، نموذجاً لا يمكن "درء الممانعة" إلا بإستلهام دروسه وعبره.

في المرحلة الأولى، كانت هناك محاولات لمواكبة الحراك الإستقلاليّ اللبنانيّ بنظريّة سياسيّة. لكنّ هذه المحاولات اتصفت بـ"الرومانسيّة" واستندت إلى مبالغة في التفاؤل بـ"قرب الخلاص" إقليميّاً وعالميّاً من أنظمة الإستبداد، إضافة إلى المبالغة في انتظار مفاعيل "لعبة دومينو" تنتشر بموجبها العدوى الديموقراطيّة إنطلاقاً من لبنان إلى جواره، الأقرب فالأبعد.

كان ذلك في المرحلة الأولى من ثورة الأرز، ثم تبيّن لاحقاً أنّ الواقع لا يخضع لهذا التصوّر "الرومانسيّ" للغاية، فكان أن ارتدّت الحركة الإستقلاليّة منه إلى تصوّر مفرط في "الواقعيّة"، وبدل أن تعرّف هذه الحركة نفسها كـ"طليعة الديموقراطيين العرب" كما كان الحال عام 2005، صارت تعرّف عن نفسها كـ"طليعة متقدّمة للمعتدلين العرب" منذ عام 2006، وفاتها في الحالتين أنّ عنصر قوّتها الأساسيّ يكمن في جمعها بين الإنتماء إلى حركة التمدّد الديموقراطيّ بإتجاه الشرق وبين الإنتماء إلى حركة الإعتدال العربيّ في مواجهة الممانعة والمغامرة.

وبعد الطورين "الرومانسيّ" ثم "الواقعيّ"، اضطرّت هذه الحركة للدخول ابتداء من العام 2008 في طور "التكيّف" مع واقع دوليّ وإقليميّ غير واضح المعالم لكنّه متّسم بإنكفاء أفكار ورؤى كانت قد راجت في عهد جورج بوش الإبن. واتخذ المنحى "التكيّفيّ" أشكالاً عدّة في صفوف الحراك الإستقلاليّ اللبنانيّ، وكانت آخرة هذا المنحى إحداث تمييز، في إثر انتخابات 2009، بين الحركة الإستقلاليّة من حيث هي جبهة سياسيّة (قوى 14 آذار) وبين الحركة الإستقلاليّة كإئتلاف برلمانيّ (قوى الأكثريّة).

ثمّة حاجة اليوم لاستيلاد تصوّر رابع للحركة الإستقلاليّة، بحيث تتجاوز رومانسية الجمع بين "الإحياء اللبنانويّ" وبين "تثوير العالم العربيّ" كما في عام 2005، وواقعيّة "الإندماج" بمنظومة الإعتدال الرسميّة، والخبوّ المقلق الذي اتسمت به مرحلة "التكيّف" (والتكيّف يعني من جملة ما يعنيه الإعتناق اللفظيّ لبعض أدبيات الممانعة).

ولن يكون ذلك مؤمّناً إلا بالتفكير مليّاً في سبل وأشكال "تحقيق" البعد العربيّ لـ"ثورة الأرز" بوصفها نموذج التوفيق بين "الإعتدال" و"الديموقراطيّة" وبين الخصوصيّة الوطنيّة اللبنانيّة القائمة على محور المناصفة الإسلامية المسيحية من جهة وبين الإنتماء العربيّ على أساس مشتركات حضاريّة وشبكة مصالح ومنافع قابلة للتوسّع شيئاً بعد شيء.

إن تحقيق هذا البعد العربيّ لـ"ثورة الأرز" هو الآن الشرط لتجديد شرعيّتها ومشروعيّتها وحقيقتها وأحقيّتها، ولتقديم تجربتها كبديل عن كل ما يهدّد المنطقة العربيّة من تفتّت مذهبيّ وإثنيّ يتقدّمه مشروع "التلاعب بالبصمات الوراثيّة" للفسيسفاء القائمة في غير مكان من العالم العربيّ، هذا المشروع الذي لم يجلب إلا المآسي في العراق وفلسطين ولبنان واليمن.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل