#adsense

انتصار 14 آذار باستمرار الدولة

حجم الخط

انتصار 14 آذار باستمرار الدولة

وإن حياة العز لا يهتدي لها
أخو وجل يخشى الهلاك ويحذر
الكاظمي

مصطفى علّوش
تعريف الدولة:
هي تجمع سياسي يؤسس كياناً ذا اختصاص سيادي في نطاق إقليمي محدد يمارس السلطة عبر منظومة من المؤسسات الدائمة. لذلك فإن العناصر المؤسسة للدولة هي الحكومة والشعب والإقليم، بالإضافة الى السيادة والاعتراف الدولي بها، مما يكسبها البعد القانوني الدولي، ويمكنها من ممارسة اختصاصات السيادة لا سيما الخارجية منها. وتتم الدولة بخمس خصائص أساسية:

1 ممارسة السيادة: فالدولة هي صاحبة القوة العليا غير المقيدة في المجتمع، وهي تعلو فوق أي تنظيمات داخلها.
2 الطابع العام لمؤسسات الدولة: أجهزة الدولة مسؤولة عن صياغة القرارات العامة وعن تنفيذها في المجتمع من خلال تمويل عام يأتي من المواطنين.

3 الشرعية: ينظر عادة الى قرارات الدولة بوصفها ملزمة للمواطنين على أساس أنها تعبر عن المصلحة العامة.
4 الدولة أداة للهيمنة: إذ أنها تملك القوة لفرض الالتزام بقوانينها ومعاقبة المخالفين واحتكار وسائل العنف الشرعي.
5 الطابع الإقليمي: الدولة مرتبطة بإقليم جغرافي ذي حدود معينة تمارس عليه اختصاصها على أساس أنه وحدة مستقلة بالنسبة للسياسة الدولية.

إستهداف 14 آذار:
"لا ترمى الحجارة إلا على الأشجار المثمرة". هذا هو واقع الحال في الاستهداف الإعلامي الدائم لقوى الرابع عشر من آذار. فبين من تحدث عن نعيها أو دفنها أو تشييعها، تبرز علامات الحقد على هذه الحركة التي تمكنت، بجدارة التضحية وقوة الموقف وصلابة الكلمة، من الصمود أمام أشرس هجمة إرهابية منظمة على مدى أربع سنوات ونصف، بدأت بالاغتيالات والتفجيرات وانتقلت لاحقاً الى خلق بؤر إرهابية تسعى الى تقويض وحدة الدولة، كما حدث مع "فتح الإسلام"، ثم كانت إحدى أهم مراحلها بمحاولات الانقلاب التي بدأت باستقالة الوزراء ومن ثم احتلال ساحة رياض الصلح الى الغزوة البلطجية التي حدثت في السابع من أيار 2008.

إستهداف الدولة

كما بدا واضحاً، فإن كل محطة من المحطات الإرهابية، المتلاحقة حيناً والمتداخلة أحياناً، كانت فيها القدرة الكامنة لتقويض أركان دولة من الحجم المتوسط، فكيف لدولة صغيرة ومحاصرة جغرافياً كلبنان؟
ولو استطلعنا أهداف القوى المنضوية تحت لواء 8 آذار وحلفائه الإقليميين تبيّن لنا أن ما يجمعها هو وحدة الوسائل، أما الأهداف الاستراتيجية فمختلفة، إن لم تكن متضاربة.

فمن ناحية النظام في سوريا، فقد كان الهدف هو إثبات أن الدولة في لبنان مشروع فاشل وأنه لا يمكن إعادة التوازن الى هذا البلد إلا من قبل قوة عارفة ومجربة في إدارة خلافات أبنائه الطائفية والعشائرية، وهي بالطبع المخابرات السورية. كما أن الهدف الآخر، وهو شبه معلن فهو كان موجهاً بشكل مباشر الى الدول الغربية، وهو يفترض أن لبنان من دون السلطة السورية المباشرة سيصبح مسرحاً للإرهاب الدولي وبالأخص "تنظيم القاعدة". من هنا كان الإصرار الدائم على ربط ملف "فتح الإسلام" بتنظيم بن لادن، مرفقاً بنداء متكرر للديبلوماسية السورية لمشاركة الغرب مع سوريا بقضية مكافحة الإرهاب كعدو مشترك. هذا ما كان يدفع الى الاستنتاج بأن الوجود السوري في لبنان هو "ضروري" ويجب أن "يشرع" ولكنه لا يجب أن يكون "موقتاً"! ولا شك بأن ما سبق قد وجد آذاناً صاغية، وإن نسبية، خاصة مع فرنسا ساركوزي الذي أصبح يعتبر الحكم في سوريا، رغم تاريخه، "شريكاً" استراتيجياً في المنطقة.

أما من ناحية إيران و"حزب الله"، فإن استمرار حال غياب النظام وضعف الدولة، هو وسيلة متعددة الأهداف. من ناحية إيران فإن استمرار عدم الاستقرار يعطيها الفرصة لاستخدام الورقة اللبنانية في خططها السياسية والعسكرية المختلفة، كما أنه يؤمن استمرار إطلالة إمبراطوريتها الناشئة على البحر المتوسط. أما بالنسبة لحزب الله، فبالإضافة الى واجباته بتنفيذ سياسة إيران، فهو ملزم عقائدياً كأي حزب ثوري بالسعي الى مد سلطة "الولي الفقيه" والوصول الى حكم لبنان كهدف استراتيجي.

كل هذا يتقاطع مع السياسة الإسرائيلية التي تهدف الى زرع الفوضى في كل محيطها وإلغاء نموذج الدولة الديموقراطية التعددية والمزدهرة الذي قد يمثله لبنان كنقيض للديموقراطية العنصرية التي تمثلها الدولة اليهودية. وما حرب تموز 2006 إلا أحد فصول هذا التوجه الإسرائيلي الدائم، وقد أثبت تداعيات هذه الحرب على الداخل اللبناني أن أهداف إسرائيل المعلنة وهي القضاء على "حزب الله" قد تكون غير أهدافها التي تحققت بزرع الفوضى في لبنان.

الصمود مرحلة على طريق الانتصار:
على هذا الأساس فإن كل ما شهده لبنان على مدى السنوات الماضية منذ التمديد، ابتدأ بمحاولة إرهاب اللبنانيين الساعين الى الاستقلال من خلال محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة أولاً ومن بعدها اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
ولكن ما حدث في 14 آذار 2005 وإجبار القوات السورية على الانسحاب في 26 نيسان 2005 الى ما تبعه من محطات متعددة ومتداخلة، كانت محاولات لإسقاط الجمهورية من خلال إسقاط مؤسساتها الأمنية والتشريعية والتنفيذية بهدف العودة الى الوراء أو تيئيس المواطنين من نظامهم ومن دولتهم لدفعهم إما للهجرة أو للتسليم بالأمر الواقع.

بالمحصلة، هذا ما واجهته قوى 14 آذار على مدى السنوات الماضية، وصمدت مستندة أولاً الى دعم شعبي متجدد مع كل محطة سياسية، من تجمعات 14 شباط، الى الانتخابات النقابية والجامعية، الى الانتخابات النيابية. وقد نجحت 14 آذار فحافظت على استمرار الدولة تمهيداً لتثبيت أركانها، ويكفي القول إن أحد زعماء 14 آذار هو الآن في رئاسة الحكومة. كما أن هذا الصمود هو ما ساهم بعودة العلاقات السورية السعودية وربما عودة سوريا الى المجتمع الدولي وإن بشكل مموه.

قد يكون من المنطقي أن الكثيرين من مناضلي ثورة الأرز مصابون بنوع من خيبة الأمل لعودة سياسات التسويات التي قد تغيّب معالم الانتصار، أو توحي بأن التضحيات قد ذهبت سدى، ولكن الواقع هو أن التاريخ لا يتوقف اليوم، وأن هذا الصمود الذي تحقق باستمرار الدولة ومؤسساتها هو محطة مبنية على أساس موازين القوى المحلية والإقليمية، سوف يتوج غداً باستمرار الصمود بالعبور الوطني الشامل الى الدولة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل