مفارقات مبدئية وسياسية تواجه الغالبية حيال البيان الوزاري
سلاح "حزب الله" الإحراج الملزم للحكومة داخلياً وخارجياً
مع انطلاق عمل لجنة صياغة البيان الوزاري، برزت جملة مواقف سياسية تدافع عن سلاح "حزب الله" واهدافه، تفاوتت بين كونه "لمقاومة الاستيطان والتوطين" كما قال الرئيس نبيه بري وصولا الى اعتباره "كنز لبنان" وفق تعبير الوزير الممثل لـ"تكتل التغيير والاصلاح" فادي عبود، علما ان كثرا يعتقدون ان لا حاجة الى هذه التبريرات في ظل امر واقع معروف ويحظى بالتفهم الى حد ما بل ان التبريرات تكشف وجود مشكلة كبيرة والسعي الى استنباط مسوغاتها. وهذه المواقف تذكر الى حد بعيد، من حيث الابعاد التي تسبغ على حتمية هذا السلاح وضرورته، بتلك التي رافقت التأكيدات المتواصلة لاعوام حول ضرورة الوجود العسكري السوري في لبنان وفق العناوين التي رفعها الرئيس اميل لحود آنذاك من انه وجود "ضروري وشرعي وموقت"، حتى بات هذا الوجود مشكلة كان يقتضي درسها بعمق وتعديل المواقف في شأنها وفق التطورات التي لم تؤخذ في الاعتبار. والجميع يدركون ان سلاح الحزب يطرح اشكالية كبيرة بالنسبة الى لبنان هي التي فرضت طرحه موضوعا اساسيا وشبه وحيد من حيث المبدأ على طاولة الحوار نتيجة اعتبارين مهمين على الاقل: حصول متغيرات ميدانية كبيرة على الارض نتيجة انسحاب اسرائيل من الاراضي اللبنانية عام 2000 رغم استمرار مزارع شبعا وتلال كفرشوبا تحت الاحتلال وتحول سلاح الحزب نحو الداخل اللبناني في 7 ايار 2008 بما لم يعد يسمح بمنحه الغطاء الرسمي الشرعي بالاجماع من اجل استمراره كما هو من دون ضوابط سياسية ومادية تخضعه لسلطة الدولة او تضعه تحت جناحها، فضلا عن تراجع اي تغطية، لا بل اي تفهم خارجي وعربي خصوصا بعد الاصطفافات الاقليمية التي فجرتها حرب تموز 2006 واتخاذ سلاح الحزب بعدا اقليميا اكثر من صلته بالداخل اللبناني، لأي مقاومة يظهرها الحزب في ظل اشكالات تلحق بمزارع شبعا التي رفضت سوريا واسرائيل ترسيمها تمهيدا لاعادتها الى لبنان. وهي مشكلة تلحق ايضا ببلدة الغجر من دون ان يعني ذلك غياب احتمالات الحرب او مسوغاتها في اي وقت.
ويفترض بالافرقاء السياسيين النأي بانفسهم في رأي البعض عن اي خلاف في موضوع سلاح الحزب في البيان الوزاري، ما دام سيكون مطروحا للبحث على طاولة الحوار وفق ما يتم السعي الى طمأنة الجميع في الداخل والخارج الى ذلك. الا ان الامر لا يبدو ممكنا لانه سيكون محرجا للحكومة كمؤسسة الا تدرج الموضوع في برنامجها وكأنها تجيّره الى سلطة غير سلطتها المباشرة، اي سلطة "اللويا جيرغا" البديلة، ولو كان الافرقاء انفسهم سيشكلون غالبية المتحاورين انما على مستوى الصف الاول. يضاف الى ذلك ان البيان ستطل به الحكومة على الداخل والخارج معا، وليس من مصلحتها الا تعلن موقفها المنتظر من جملة مسائل وقضايا ستكون في جدول اعمالها للسنوات المقبلة وتتحدد نظرة الخارج وطريقة تعامله مع الحكومة على اساس بيانها، علما ان البعض يقول ان البيان غالبا ما سيُنسى فور حصول الحكومة على الثقة، وتاليا لا ضرورة للخلاف عليه.
الا ان المفارقة بالنسبة الى كثر ان عدم التوافق يجب ان يكون قائما في حال الاصرار على تبني العبارة نفسها المتعلقة بسلاح الحزب والتي وردت في البيان الوزاري للحكومة السابقة، اولا لكون اعتماد العبارة نفسها يتجاهل نتائج الانتخابات النيابية من حيث حتمية ان يكون برنامج الحكومة هو برنامج الغالبية وليس برنامج المعارضة او الاقلية على ان تتحفظ هذه الاخيرة عما يمكن ان يرد في البيان ولا يناسبها وليس العكس، اي تحفظ قوى من الاكثرية عن بعض بنود البيان. في حين ان فرض الاقلية الصيغة التي تناسبها في ظل الكباش السياسي الضمني القائم حول هذا الامر، يوحي انها نجحت في فرض صيغتها مدعومة من قوى في الاكثرية من حيث المبدأ او على الاقل بموافقتها، اي "تيار المستقبل" و"اللقاء الديمواقراطي"، وهذا يقع في المبدأ في غير موقعه الصحيح، علما ان مفاعيله او مترتباته متعددة، من بينها ان هذا التحفظ لقوى في الاكثرية يفيد بوجود انقسام واقعي او عملي بين القوى التي شكلت هذه الاكثرية، علما انها لا تزال تلتقي على المستوى الاستراتيجي لجهة المحافظة على سيادة لبنان واستقلاله. اذ ان هذه القوى لا يمكنها الا ان تتحفظ عن الصيغة السابقة للبند المتعلق بسلاح الحزب لكون العمل من اجل ارساء سلطة الدولة هو اساس برنامجها الانتخابي، والا فانها تكون تقدم هدية مجانية لخصمها المسيحي العماد ميشال عون في الوقت الذي لا يمكنها، بحسب قولها، التسليم بتأمين غطاء لنشاط عسكري خارج رقابة الدولة والتنسيق معها على الاقل. ويرى البعض انه على رغم الحرص على ان يحظى البيان الوزاري للحكومة بالاجماع الذي يسمح لها بالانطلاق بقوة في العمل، فان ذلك يسمح بهامش معقول لرئيس الحكومة، ولو ان الامر ينكشف على واقع ان لا قدرة لدى القوى المعترضة على ايراد البند حول سلاح الحزب وفق صيغته القديمة، وفي حال الاصرار على استنساخه كما هو، لا على التعديل ولا على التعطيل، في حين ان للآخرين هذه القدرة.
لكن قد يكون من السذاجة الاعتقاد ان التجاذب حول هذه النقطة يترجم فحسب الانقسامات الداخلية حوله، اذ انه نقطة محورية دقيقة جدا تعكس في رأي كثيرين الوجه الابرز من الصراع الاقليمي الذي يحصل عبر لبنان، وتاليا التوازنات السياسية التي تم السعي الى ابرازها في الحكومة والتي يرغب البعض في ابقائها في المرحلة المقبلة حتى يحصل ما يفرض تعديلها على مستوى المنطقة.