يا ضيعان الشباب..
ليس خيبة ما يشعر به الكثير من اللبنايين، ولا احباطاً وليس استكانة ايضاً، بل هي لحظة تأمل عميق في ما يعتري المشهد السياسي اللبناني من نفاق وخداع وتكاذب، مهما زين بعناوين لماعة، هي حسرة ربما على شهداء سقطوا في عام واحد، كوكبة من خيرة شباب لبنان وقياداته، وسرعان ما اكتشفوا ان دماء الشهداء تستعمل في السياسة استدراجاً لعروض توزير ونيابة، ويتأملون مشهد التصارع على الحصص وعدد الوزراء وانواع الوزارات تحت عنوان تقديم الشهداء..
تحل اليوم الذكرى الثالثة على استشهاد الوزير الشاب بيار الجميل، عندما سقط شهيداً على مذبح لبنان وثورة استقلاله لم يخطر للبنانيين الذين ارهقهم تشييع الشباب جنازة تلو الاخرى انهم سريعاً سيشاهدون كرامة الدماء وعنفوان الشهادة يكاد يضحي «جوائز ترضية»…
ثمة كلام يستحق اليوم ان نقوله في ذكرى اغتيال بيار الجميل، وقبيل مساء الاستقلال السادس والستين، ومن دون مواربة ومن دون حسابات خواطر، وان يقال هذا الكلام حتى يدرك كثير من اهل بيت «ثورة الارز» من السياسيين، انهم اصغر بكثير من دماء الشهداء ومن الامانة التي ركضوا خلف الشعب اللبناني ليتصدروا فيها الموقف ويدعوا قيادته، لا سياسة ولا سياسي يستطيع بحساباته الضيقة ان «يقصقص» جوانح الارز، ولا سياسي يستطيع ان «يتقنبر» و«يتشنتر» طمعاً في منصب ويكبر العيار من اجل الاستيزار…
ليست المرة الاولى التي «يهرهر» فيها السياسيون كورق يابس اصفر امام غواية المناصب، ولا يصيب هذا اللبنانيين بأي مرارة، لأنهم يعرفون وجوهاً كثيراً ما لبست اقنعة ليست لها، وعندما حان موعد خلعها نزعوها، يميز اللبنانيون بين الوجوه والاقنعة، وكلما تغير قناع يدركون دوافع تعييره..
حزن اللبنانيين الحقيقي تراكم لكثرة ما قالوا: «ضيعان اللي راحو».. والحسرة على «اللي راحو» ليست حزناً على ضياع الدماء وحقوقها، بل لان الساسة في لبنان لا يستحقون وليسوا اهلاً لحمل امانة دماء الشهداء..
ثمة حاجة ملحة لدى كثير من اللبنانيين لان يقولوا لكثيرين اليوم: «تباً لكم» و«للسياسة» و«للنفاق الازلي» الذي تمارسونه بإسم مصالحكم التي تغطونها بعنوان «مصالح الطائف»، وان يقولوا ايضاً لكثيرين من الذين لا يكفون عن تصدير امنياتهم وتكرار اجترار مقولة «انفراط عقد 14 آذار»، 14 آذار حال لبنانية شعبية شديدة الخصوصية خرج بها اللبنانيون من حال رزحوا تحت عبئها ثلاثين عاماً، وان ما بعد 14 آذار 2005 هو غير ما قبله، وان التاريخ لن يعود الى الوراء، وان جمهور 14 آذار حال شعبية مستقلة عن تقلب القيادات، فيذهب من يذهب ويبقى من يبقى، الناس نزلت الى ساحة الحرية شعباً حقيقياً لا قطعاناً يسير على رأس كل قطيع منها كرّازه، اللبنانيون بحاجة الى ان يقولوا اليوم لكل الذين يظنون ان حال 14 آذار الشعبية «خاتم في اصبع السياسيين»، خذوهم «بلوهم» واشربوا «منقوع تواريخهم» المعروفة!!
يحتاج اللبنانيون فقط الى ان يقولوا ضيعان الشباب والشهداء في هكذا سياسيين، ولكن «مش ضيعانن» ابداً بلبنان ولا بشعبه، وان يقولوا ان مشهد استقلال 14 آذار 2005 هو الذي يجعل كثيرين اليوم يحتفلون بإستقلال العام 1943 من دون ان يضحكوا في سرهم من الاحتفال بوهم لا حقيقة، 14 آذار هو الذي حول وهم الاستقلال الى حقيقة، وان دماء شهداء ثورة الارز هي التي كرسته، اما الامانة العامة والسياسيون فكلهم كانوا تحصيل حاصل في لحظة كان الشعب فيها هو القائد الحقيقي لثورته…
رحم الله الشهداء، وبوركت دماؤهم التي ستزهر للبنان ربيعاً لا خريفاً منافقاً، وبارك في بعض الرجال الذين ما زالوا على عهد دماء الشهداء باقون، وبارك في شعب لبنان الذي لا يخدع ولا يبدل مهما حاولوا تبديلاً…
