القوات تطلق "سلاح" الفكر والممارسة الديموقراطية..حبشي: "الجامعة السياسية" من أجل مشروع الدولة
كتبت زينة يوسف في "المستقبل": في زمن الحرب وغياب دولة القانون حاربت "القوات اللبنانية" بالسلاح "للحفاظ على هويتها"، ولما لاحت في الأفق بوادر سلام وبناء الدولة الفعلية، سلمت "سلاح الضعف" بشكل إرادي وطوعي، وآمنت بـ"سلاح القوة"، أي المنطق الفكري السياسي والممارسة الديموقراطية.
بعد العمل على التوعية الفكرية للفرد ومساعدته على تحقيق ذاته والمحافظة على كرامته، ومن ثم الاختلاط الفعلي بالقاعدة الشعبية، التقى مسؤولوها على "ضرورة الإجابة عن حاجاتها وبالتالي تنميتها على الديموقراطية وتدريبها على أهمية سلاح الموقف"، فكانت "الجامعة السياسية" التي تطلقها "القوات" اليوم.
منذ ثلاث سنوات استهلت "القوات" عملها مع الجامعة الشعبية، من خلال مجموعة من المحاضرات المفتوحة للجميع وفي المناطق كافة، إيماناً منها بمبدأ أن "السياسة لا تمارس تحت الطاولة، وأن النقاش هو الطريق إلى القواسم المشتركة".
ولتحقيق التنمية على الديموقراطية ومواكبة بناء التنظيم القواتي، كانت "الجامعة السياسية". ويشرح رئيسها أنطوان حبشي لـ"المستقبل"، "أننا نسعى من خلال التنمية على الديموقراطية للوصول إلى الدولة الديموقراطية، وذلك عبر إفهام الناس معنى الديموقراطية وكيفية ممارستها"، معتبراً أن "المدخل إلى هذا الموضوع بسيط وهو الاعتراف بالتعددية وحق الآخر بالاختلاف".
وانطلاقاً من تأكيده أن الديموقراطية "هي الوسيلة الوحيدة التي تسمح بحل النزاعات فعلياً، وأن السياسة وحدها لا تحل الأمور"، يوضح أن "ما نحتاجه هو الثقافة السياسية، وما حاولت الجامعة السياسية القيام به، هو تحويل حركتنا السياسية من حركة التزام بالعاطفة إلى حركة عقلنة السياسة".
ويرى من جهة أخرى، أن "مفهوم دولة القانون والمؤسسات غائب في لبنان وعن اللبنانيين بمعظمهم"، مشدداً على "وجوب ألا تطغى الشخصانية على طابع المؤسسات في لبنان، بل أن نحول العمل السياسي في مؤسساتنا إلى عمل عقلاني".
"سلاح الموقف"
يقول حبشي: "إن سلاح الموقف مهم، نحن نرفض سلاح "حزب الله" ولكن هذا لا يعني أننا سنلغيه بالحرب، بل يكفينا أن نقول له إننا لا نرضى بسلاحك في ظل وجود الدولة، ونتمنى أن تكون جزءاً من الدولة وتكون حصرية السلاح في المؤسسات الشرعية". ويؤكد أن "الموقف السياسي الواضح والصريح سلاح أساسي ويؤدي إلى نتيجة".
وإذ يتطرق إلى "العنف الرمزي الذي يجهز الناس نفسياً فيصبح نزولهم إلى الشارع للقتال "تحصيلاً حاصلاً"، يشدد على أن "كل الاختلافات لا تحلها إلا إمكانية التلاقي على الثقافة السياسية الحقيقية وجوهرها الشعب الذي هو المسؤول، فإما أن يحسن اختيار سياسييه ويتابعهم ويحاسبهم، وإلا لا يحق له أن يطلب منهم أي شيء، لأنه بذلك يخلق، ومن دون وعيه، حركة استغلال متبادلة".
مؤسسات "الجامعة"
تشارك "الجامعة السياسية" في تنظيم المؤتمر العام لـ"القوات" ومواكبته، من خلال إنشاء كوادر وتنميتها بشكل فردي على الديموقراطية، وإخضاعها لدورات معمقة تكتسب فيها معرفة وتقنيات ومهارات وكفاءات، تسمح لها بإيصال مفهوم الديموقراطية.
ويتم هذا العمل من خلال ثلاث مؤسسات: "الجامعة الشعبية" لـ"التواصل مع القاعدة الشعبية"، "معهد الإعداد الفكري السياسي للطلاب" (sipti) "المخصص للقيام بدورات لطلاب الجامعات"، و"أكاديمية الكوادر السياسية" (cpa)، لـ"خريجي الجامعات والعاملين الذين يرغبون في التعاطي في الشأن العام وأن يكون لهم مدخل للعمل السياسي".
التحديات
"نحن نعبُر فعلياً من مرحلة الحرب إلى مرحلة السلم، من المؤسسة العسكرية إلى الحزب السياسي، من مرحلة النضال للحفاظ على الهوية إلى مرحلة النضال للحفاظ على الهوية أيضاً، إنما من خلال الانفتاح على كل مكونات الحداثة والتأقلم معها"، يقول حبشي، موضحاً أن "الصعوبة الكبيرة هي في أننا نتكلم عن موضوع يمارس أشخاص عكسه مئة بالمئة. فعندما أتكلم عن الديموقراطية والحوار وسلاح الموقف في وجه "حزب الله"، يقول لي شريكي ان سلاح الموقف ليس أساسياً". ويضيف: "يجب أن نقبل بعضنا ونوقف منطق التهديد والتخوين، فالعنف ليس عنف السلاح فحسب، العنف الحقيقي هو الرمزي والنفسي الذي يحمله الكلام ونتيجته التقاتل بين الناس".
"القوات" بين الأمس واليوم
لا تهدف "القوات" الى تلميع صورتها في مرحلة الحرب ولا حتى الى تبرير أحداث تلك الحقبة، ولا تسعى الى تقوية شعبيتها في وجه شعبية أحد آخر، وحين تسأل حبشي رأيه يجيب: "لا يملكني هاجس أن رأي الآخر يحدد هويتي، هاجسي الحقيقي أن أتكون فعلياً كجسم يقدر على أن يترجم الخطاب السياسي بالحركة العملية اليومية".
وهو إذ يعتبر أن "العمل على الذات أمر صعب وهو بحد ذاته إقناع للآخر"، يدعو الناس الى أن التنبه "حين يحكم السياسة الحقد والكذب الذي لا يؤدي إلى أي مكان والتاريخ أكبر دليل".
"نطمح الى إنشاء معهد لحل النزاعات، يسمح لنا بالتوجه إلى كل الأحزاب، فنقوم بعملية تنقية للذاكرة الجماعية من شوائب الحرب مع حلفائنا كما مع أخصامنا"، يقول حبشي، لافتاً إلى إمكانية أن يؤدي ذلك إلى "الاتفاق على لبنان الجديد وأن نتلافى أخطاءنا ونرى ما هي الأرضية المشتركة التي نستطيع أن نبني عليها لنتقدم أكثر".
ويختم: "نمد يدنا للكل، للمعارضة أكثر من الموالاة، إذ ان خارج الثقافة الديموقراطية لن يكون لأحد منا مكان. صحيح أن الواقع العملي يفرض صبغة معينة على كل حزب، إنما أؤكد أن "القوات" باتجاه فتح الباب أمام الجميع، إنما لا يمكن أن نقوم بذلك بالقوة والغصب، فعلى الآخرين، وانطلاقاً من دينامية التنمية على الديموقراطية ووعيها العقلاني للمسألة السياسية، أن يبادروا الى قرع الباب".
