مروحة واسعة من التعديلات المطروحة لتعزيز صلاحيات الرئاسة
حديث عن تفاهم يتناول مهلة توقيع المراسيم وحدها
حين فتح رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في خطابه في عيد الجيش في الاول من آب الماضي ملف التعديلات الدستورية لصلاحيات الرئاسة الاولى، بدا الموضوع في غير محله وتوقيته، في عز أزمة تأليف الحكومة وتعثر التوافق على تشكيلها، فضلا عن أنه أثار ردود فعل متحفظة. ويعود الموضوع بعد ثلاثة أشهر الى دائرة التداول على قاعدة ان ما اقترحه الرئيس سليمان كان بمثابة بالون اختبار وحملة استباقية يتطلع من خلالها الى تمهيد الطريق وفتح باب المناقشات للموضوع من اجل انضاجه، علما انه يشكو صلاحيات لم تعد موجودة لرئيس الجمهورية وتقيد حركته الى حد بعيد. وبعض ما يثيره الرئيس سليمان على صعيد صلاحيات الرئاسة الاولى سبق أن أثاره بحماسة مختلفة وظروف مختلفة، سلفاه الرئيس الراحل الياس الهراوي واميل لحود، من دون أن ينجحا في الحصول على اي دعم لاجراء تعديلات دستورية من داخل ولا من خارج، واعتمد كلاهما على الدعم السوري في ممارسة صلاحيات تعدت أحياناً كثيرة ما هو منصوص عليه في الدستور، لكن تستند الى القوة المستمدة من الوصي السوري ومصلحته في بقاء الرئاسة الاولى، ككل الرئاسات، رهينة الهامش الذي يسمح لها بالتحرك وفقا لعلاقات الرئاسات بالقيادة السورية.
لذلك يبرز سؤال اساسي يتعلق بما اذا كان الوضع الداخلي بظروفه السياسية ناضجاً لاجراء مثل هذه التعديلات، باعتبار ان الذريعة الابرز هي ان المسألة ككل ستفتح الباب على شهيات طوائف أخرى ترغب بدورها في ادخال تعديلات دستورية للحصول على مكاسب أخرى ورفض آخرين التنازل عن صلاحيات كرسها الدستور لهم، فضلا عن ضرورة معرفة ما هي التعديلات الممكنة والمقبولة وما هي تلك التي لا يمكن القبول بها.
اول ما يقفز الى الواجهة في الشكوى من الصلاحيات المنتقصة او المبتورة يتعلق بمهل اصدار المراسيم، إذ ان المهلة المعطاة لرئيس الجمهورية لاصدار المراسيم هي خمسة عشر يوما حتى "اذا انقضت المهلة دون اصدار المرسوم او اعادته الى مجلس الوزراء خلال هذه المهلة نفسها يعتبر المرسوم او القرار نافذاً حكماً ووجب نشره". وفي المقابل، يتمتع الوزراء بمهلة مفتوحة وغير مقيدة بزمن محدد، مما يجعل صلاحيات الوزراء أكبر من صلاحيات رئيس الجمهورية في هذا الاطار، الامر الذي يعتبر غير منصف ويستلزم مراجعته على قاعدة توسيع هامش صلاحيات الرئاسة وفرض قيود على رئيس مجلس الوزراء والوزراء وفق مهلة لا تساوي بين الوزراء ورئيس الجمهورية، بل تكون أقل أيضاً.
ويبرز من جهة اخرى اعتراض على ما يعتقد ان رئيس الجمهورية يفتقد في ما خص الصلاحيات التي نص عليها الدستور، باعتباره "رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن ويسهر على احترام الدستور"، في حين لا يملك الالية التي تخوله وضع احترام الدستور موضع التنفيذ. فهو لا يستطيع دعوة مجلس الوزراء الى الاجتماع، ولا يضع جدول أعماله، ولا يستطيع حل مجلس النواب او اقالة الحكومة، وقد ظلّت حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الاولى مفتقدة التمثيل الشيعي عامين لم يستطع رئيس الجمهورية خلالهما اقالتها. وليس هناك آلية تسمح له بذلك، كتقديم نصف الوزراء مثلا طلبا الى رئيس الجمهورية للقيام بهذه الخطوة، كما انه لا يستطيع دعوة مجلس الوزراء الى الاجتماع، حتى استثنائيا، الا بالاتفاق مع رئيس الحكومة، في حين أن الامر محصور برئيس الحكومة، مما يجعل الامر غريبا وغير مقبول في زمن الازمات تحديداً.
ويثار في الاطار نفسه اعتراض على عدم تمتع رئيس الجمهورية باستقلالية في توقيع المراسيم، ما خلا مرسومين اثنين احدهما مرسوم تسمية رئيس الوزراء منفرداً بعد تسميته من النواب في الاستشارات النيابية الملزمة، والاخر مرسوم قبول استقالة الحكومة. ويسري الاعتراض أيضاً على عدم تمتع رئيس الجمهورية وحده بتوقيع مرسوم عفو خاص ما لم يحظ بتوقيع الوزير المختص مثلا او حتى منح اوسمة.
وحين تأخر تأليف الحكومة، أثار البعض أيضاً موضوع تحديد مهلة لرئيس الوزراء المكلف، بحيث لا تكون مهلة مفتوحة كما حصل أخيراً، بالتزامن مع اثارة كثر في المقابل صلاحيات رئيس مجلس النواب، خصوصا على خلفية اقفال الرئيس نبيه بري مجلس النواب لمدة تزيد على عامين من دون أي بديل أو تمتع نائبه بالصلاحية لدعوة المجلس الى الانعقاد بالاضافة الى مدة ولاية رئيس المجلس التي تستمر أربع سنوات، بما يجعل التعديلات الدستورية المطلوبة في اطارها المعروف والمعلن ورشة اصلاحية يخشى كثيرون الا تكون متاحة، خصوصا متى اتسع حجمها وفتح الباب على مطالبات مختلفة، اذ تكون عندئذ ورشة تعديل لاتفاق الطائف، في حين ان المعركة السياسية الدائرة منذ اكثر من عامين هي على تثبيته او محاولة البعض تعديله قسراً وفق ما يرى كثيرون نتيجة لامر واقع فرضته تطورات متعددة في هذه الفترة.
ولا يستبعد البعض في هذا السياق اجراء تعديل وحيد يعتقد ان تفاهماً ضمنياً قائماً عليه، ولم يتم تأكيده على نحو حاسم، يتعلق بتعديل المهلة امام رئيس الجمهورية من أجل توقيع المراسيم، لكن ليس أكثر من ذلك، في ظل تحفظات متشددة لكثر عن الذهاب أبعد، نظراً الى ان معركة السلطة بين الطوائف لا تزال قائمة بقوة في ظل توازنات سياسية معقدة.