أشرف ريفي
من النماذج الأكثر نجاحاً وكفاية في إدارة الملف الأمني بعدما تُرك لبنان يدير نفسه بنفسه بعد رحيل القوات السورية عام 2005، اللواء أشرف ريفي. واختياره ليكون المدير العام لقوى الأمن الداخلي في ذلك الوقت، كان من أول القرارات الوطنية التي تجسد سيادة كانت موكولة فترة طويلة الى القرار السوري، يعاونه رموز يأتمرون بأوامره، ولا تزال هناك نماذج منهم حتى اليوم، بعضها يرتفع صوته تشكيكاً في التجربة السيادية اللبنانية.
كاتب هذه السطور عرف ريفي عندما كان في بداية السلّم العسكري منتصف الثمانينات. وما يثير الدهشة ان الرجل في ذلك الزمن هو نفسه اليوم. حازم على هدوء، في منتهى الأدب من دون ضعف، يسعى الى الانجاز بكل تواضع. وتعلو على كل هذه الصفات واحدة قل نظيرها هي الخروج من مرحلة الوصاية والاحتلال بسجل ناصع، في حين ان الكثيرين جرفهم التيار الى درجة الارتهان الكامل للقرار السوري او الذهاب الى العمالة لاسرائيل.
كل هذه الفضائل لم تنأ باللواء ريفي عن الاستهداف من القوى نفسها التي تشدها أواصر الحنين الى الوصاية السورية. والبرهان هو في واقعة تتصل بالوضع الداخلي للمؤسسة التي تعود قيادتها الى ريفي. لكن الحملة بدأت منذ أن تكوّنت نواة عمل أمني مستقل عن الوصاية السورية وامتداداته الداخلية. وقد هال أصحاب هذه الحملة أن تتحول هذه النواة وحدها مرتكزاً يمكن البناء عليه بعدما ترك النظام السوري المؤسسات الامنية اللبنانية هيكلاً فارغاً من أي فاعلية تعشش فيه أوكار الارتهان والمصالح الشخصية والانتماءات المذهبية. فإذا ما ضرب النفير لم يلب أحد النداء. ولا يزال اللبنانيون يذكرون جيداً موجه التفجيرات والاغتيالات التي تلت انسحاب القوات السورية من لبنان واكتشف أهل السلطة الجديدة ان أيديهم خالية من أي أدوات لمكافحة الشر. فكانت رحلة الألف ميل لبناء القدرات الذاتية الامنية، ومن طلائعها فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي الذي انجز حتى اليوم ليس فقط ما يعوّض أعوام الوصاية، بل ما يمثل تطوراً تاريخياً عندما كشف عن شبكات التجسس التي تعمل لمصلحة اسرائيل، وأكثريتها نشأت أيام الوصاية السورية وعنترياتها على اللبنانيين، وفي عزّ سطوة "حزب الله" المدجج بكل الامكانات الايرانية. وبفضل فرع المعلومات هذا انكشف ستر تنظيم "فتح الاسلام" الذي تسترت وراءه المخابرات السورية لتشنّ أشرس الحروب على الجيش في مخيم نهر البارد الذي أبرز قامة وطنية كبرى هو اللواء فرنسوا الحاج الذي انتهى الى قائمة شهداء "ثورة الأرز" بعدما بان خطره على الثورة المضادة لاستقلال لبنان. كما لا يغيب عن البال كشف فرع المعلومات أغلب الخلايا المتطرفة التي كانت تهدد أمن لبنان واستقراره.
من المفارقات الغريبة هذه الايام أن يكون أحد على مسافة واحدة من الجميع في الحملة التي يتعرض لها اللواء ريفي. والحملة ممن؟ من الذين أقاموا الدنيا ولم يقعدوها عندما نفذ الجيش الاوامر في مواجهة حوادث الشياح الشهيرة، وهو ما عطل لاحقاً قدرة الجيش على تفادي حوادث أيار 2008؟ مَن الذين اسقطوا طوافة الجيش في الجنوب ومعها سقط الضابط سامر حنا وسارعوا بعدئذ الى اطلاق من قالوا انه مطلق النار؟ من الذين غطوا قتلة العسكريين في البقاع وسهلوا فرارهم الى سوريا ومنعوا حتى هذه اللحظة تسليمهم الى العدالة؟ من الذين ضربوا ستار الكتمان على عملية خطف المهندس جوزف صادر في عمق المربع الأمني المتاخم لبيروت وتباهوا بالسماح لشرطة السير بدخول الضاحية الجنوبية لبيروت؟
لا يخفى على المرء أن هناك حنيناً لم ينتهِ الى 7 أيار 2008 عقب القرارين الحكوميين اللذين أخرجا السلاح الحزبي من مخازنه الى شوارع بيروت. وقد تململ هذا الحنين بالامس مستغلاً ما دار في وزارة الداخلية. لكن هيهات أن تتكرر هذه المهزلة المأساة.