دروس الاستقلال وارادة ابناء الوطن
المحامي جورج ابو صعب
بين الحادي عشر والثاني والعشرون من تشرين الثاني 1943 شهد لبنان احداثا مصيرية كادت تودي بكيانه وتذوبه في بوطقة الانتداب والاستعمار، واهم ما شهدته هذه الحقبة وحدة وطنية حقيقية تجلت لاول مرة في تاريخ البلاد باتحاد المسلمين والمسيحيين من أجل كرامة الوطن وسيادته واستقلاله. يومها وعندما شاع نبأ القبض على حكومة الاستقلال وحجزها في قلعة راشيا، هب اللبنانيون يدا واحدة وصوتا واحدا وانتفاضة واحدة على اختلاف الملل والطوائف والمذاهب دفاعا عن كرامة الوطن وحرمة الاستقلال. يومها تشكلت حكومة "بشامون" من كبار هذا البلاد ومن قوم ندرت قماشتهم اليوم وكم نحن بحاجة الى مثل هذه القماشة…
نعود الى التاريخ لعله الافضل لاستخلاص العبر ولمقاربة حال لبنان اليوم بالنسبة لما كان عليه في السابق: ففي حين توحد ابناؤه في وجه المنتدب والمحتل عام 1949 انقسم على نفسه في مواجهة الاحتلالات والوصايات الاخرى التي تلت انتداب الفرنسيين عبر التاريخ الحديث. لا بل بات استقواء بعض اللبنانيين بقوة المحتل اداة تخاطب وبناء وطن ودولة ووحدة وطنية وعندما خرج المحتل ابقى على سلاح غير شرعي يتحكم باللبنانيين دون منطق ولا مشروعية ولا مبرر.
عام 1949 توحد لبنان، كل لبنان لانقاذ الدولة والكرامة والكيان، بينما اليوم ثمة لبنانيون للاسف لا يمشون وراء دولتهم بل يريدون من دولتهم ان تمشي وراءهم، تماما كما منطق المحتل والمنتدب سواء الفرنسي او السوري او سواهم.
عام 1949 كان اللبنانيون يعون اهمية الدولة السيدة والحرة والمستقلة بينما في حاضرنا ثمة لبنانيون لا يدركون الا سلاحهم ولو على حساب الدولة والسيادة والاستقلال.
في 26 تشرين الثاني 1941 القى المفوض السامي الفرنسي الجنرال كاترو خطاب اعلان استقلال لبنان ووحدة كيانه، ومما جاء في كلمته:"… ان الدولة اللبنانية تتمتع منذ الان بالحقوق والامتيازات المتصلة بصفتها دولة مستقلة وسيدة… ان فرنسا الحرة تعتبر بان الدولة اللبنانية انما تؤلف سياسيا واقليميا وحدة لا تتجزأ وانه يجب حماية هذا الكيان من كل انتقاص…"(كتاب الجنرال كاترو حول مذكراته بعنوان معركة البحر المتوسط – 1949- باريس – شهادات وتعليقات – ص 120 وما يليها)
انه كلام الغاصب والمحتل والمنتدب والوصي جبرا. فما ابعد هذا الكلام من ذاك المعتدي عن كلام ومنطق واستراتيجات من اهل البلد اليوم، الذين يضربون عرض الحائط بمفهوم الدولة اللبنانية وبمقومات السيادة والاستقلال، ويذهبون الى حد القبول بتهديد وحدة لبنان من خلال تشريع ابوابه امام العواصف والتيارات والمحاور المتناحرة مسقطين كل منطق الدولة القوية القادرة على ممارسة سيادتها واستقلالها.
المشكلة اليوم ان ثمة فريقا من اللبنانيين لم يعد يرى في الدولة اولوية لحمايته، بل خيارا يمكن تجنبه. فالدولة بنظر هؤلاء باتت كما الفكر البعثي سرابا من صنيعة الانتداب والاحتلال حيث لا اعتراف لحدود بين الاقطار وبالتالي لا اعتراف بدول مستقلة سيدة.
ان الاستقلال ارادة وطنية بالدرجة الاولى والاخيرة، فهي ليست منة من الغريب ولا تنازلا من المحتل ولا تفاوضا او مساومة مع الغاصب. انها ارادة وطنية قومية منطلقة من صميم الايمان بحتمية لبنان وحتمية كيانه وسيادته واستقلاله في هذه المنطقة من العالم.
فالاستقلال هو بالدرجة الاولى فعل ايمان بالدولة وبالبلد: ففريق من اللبنانيين يجرؤ على البوح بصراحة بانه لا يفضل الدولة على دويلته ولا يفضل السلطة الشرعية للسلاح على سلاحه. فلبنان في فكر هؤلاء اللبنانيين وجهة نظر مرتبطة باعتبارات منها ما هو ديني عقائدي (كولاية الفقيه وتصدير الثورة) ومنها ما هو استراتيجي وتكتكي للانخراط في محور مواجهة وقبول لعب دور في خدمة مصالح خارجية معينة (الترابط الايراني – الشيعي).
فلبنان اليوم هو جزء من مخطط هذا الفكر السياسي الشمولي، وهذا الفكر المناهض للدولة ولقيامها. والدليل الابرز على المستوى الفكري لما نقوله، تمسك فريق من اللبنانيين (حزب الله) بسلاحه وتعزيز قدرته القتالية وترسانته العسكرية دون ان يخطر على بال قيادييه ولو للحظة ان يعطوا هذا السلاح للجيش اللبناني وللدولة اللبنانية وان يكونوا لواء منخرطا في صفوف القوى المسلحة، لهم نظام خاص بموجبه يتحركون حكما وفورا عند اي تهديد اسرائيلي للاراضي اللبنانية بامرة القيادة الشرعية للدولة.
فعلى العكس لم نر ولم نسمع مسؤولا واحدا في المقاومة وحزب الله يضع السلاح بتصرف القوى المسلحة اللبنانية، ولم نر ولم نسمع مسؤولا واحدا في المقاومة وحزب الله يقبل بطرح الموضوع لمجرد النقاش عبر ما يسمى بالاستراتيجية الدفاعية التي اثبتت المفاوضات السابقة على طاولة الحوار الوطني بانها كانت كمن يقول للاخرين تكلموا ما تشاؤون وعبروا عما تريدون واسمحوا لنا ان نستمع اليكم فقط. بينما من الاجدى على هذا الفريق المعني الاول والاخير بالموضوع ان يكون هو المبادر الى طرح الصيغ ومناقشتها مع اقطاب الطاولة الحوارية.
فلبنان اليوم مهدد في استقلاله لا من الخارج بل من الداخل: فمنطق الاستقلال عبء على بعض اللبنانيين لانه يرتب اعترافا واضحا ونهائيا بقيام الدولة القوية القادرة التي لن تعمل الا وفقا لمصالح اللبنانيين ولن تستخدم السلاح الا في المكان والزمان المناسبين على الحدود وبالقدر اللازم وللهدف اللازم ليس اكثر… كما ان بعض اللبنانيين لا يرضون باستقلال للبنان يفقدهم مكتسباتهم الشخصية والذاتية والفئوية والطائفية والمذهبية وحتى العائلية، امثال العماد ميشال عون الذي بات جزءا لا يتجزأ من لعبة خارجية اقليمية جعل من نفسه متراسا اوليا ومتقدما لها وامن لاستمراريتها ونموها في لبنان الغطاء المسيحي الضروري.
من هنا نعتقد انه من اجل ان يحقق لبنان استقلاله الناجز يوما يجب توفر اربعة شروط موضوعية في ضوء الواقع الحالي:
اولا: قناعة جماعية لبنانية باولوية الاستقلال والسيادة اللبنانية التي تفترض احتكار الدولة للمرافق العامة والقوة المسلحة في الدفاع عن لبنان وحماية كيانه واستقلاله، الامر الذي يتطلب تنازل فريق من اللبنانيين من فضوله (بمفهوم الفضولي او الفضالة في القانون المدني اي الذي يفرض نفسه لرعاية مصالح الغير دون اذن ولا سؤال هذا الغير ودون ان يكون ملزما ومطلوبا منه هذا التدخل) في لعب دور الدولة والامساك باحدى اهم اختصاصات الدولة الشرعية، الا وهي الزود عن الوطن وحمايته وتعزيز قوته المسلحة الشرعية.
ثانيا: قناعة جماعية بضرورة وجود الدولة والمؤسسات وبانها الضمانة الوحيدة للجميع ولحماية الجميع ولتأمين حقوق الجميع. فالدولة ليست خيارا بل حتمية ولا تحل ازمة الثقة بالدولة من خلال خلق دويلات، الامر الذي كان مرفوضا في الماضي واتهام لفريق بالانعزال والتصهين. فها اننا اليوم امام المشهد نفسه يتكرر ولكن بلاعبين مختلفين من طائفة ومذهب مختلفين ولاهداف تكاد تشبه اهداف الفريق الاخر في ذلك الوقت.
فالدولة لا تبنى من الغير بل من ابناء البلد، فاذا لم يقتنع الابناء باهمية الدولة وباهمية وجودها وبانها لا تقوم لوحدها بل هي بحاجة الى ارادة وسواعد ابناء البلد، فعبثا يبني البناؤون. وللاسف نسمع في ادبيات وفلسفة المقاومة ما يشير الى نوع من التسليم بان الدولة ضعيفة وبالتالي لا امل يرتجى منها لذلك يتم تبرير السلاح غير الشرعي والتمسك به وكأن ثمة حكما مبرما في خلفية تفكير هذا الفريق من اللبنانيين بان الدولة فكرة اندثرت ولن تقوى على النهوض مجددا. وهنا خطورة الطروحات والسياسات والخلفيات التي تنطلق منها المقاومة وحزب الله سواء بالسر او بالعلن.
ثالثا: العودة الى منطق المؤسسات والدستور ومبادئ القانون الدولي التي ارست دعائم واسس قيام الدول عبر العصور والتي لم تتوقع ان يأتيها يوما حزب او فريق من اللبنانيين ليحاولوا قلبها وتحريفها وتفسيرها وتطبيقها على غير النحو الذي وجدت من اجله وقامت عليه وهدفت اليه. فالعودة الى منطق المؤسسات يفترض العودة الى روح ونص الدستور ووثيقة الوفاق الوطني في الطائف. المفترض ان يقتنع هذا البعض بان تطبيقه بالاول مطلوب قبل الشروع في "همروجة" تعديله قد تفتح الابواب على مصراعيها لتعديلات من هنا وهناك تطيح بالاستقرار السياسي وتفتح شهية افرقاء كثر على الساحة لطلب تعديلات اكثر واكبر بما يتطلب عودة الى طائف ثان وثالث ودوحة ثانية وثالثة وربما اكثر.
فمنطق المؤسسات والدستور منطق تبنى عليه قناعة الشعوب واليات احترامها لمؤسساتها وسلطاتها وهو الذي يوجه وينقي من الشوائب الفكرية والعقائدية ما يمس قدسية الدولة والكيان وحتمية الهوية السياسية والحضور على خريطة العالم السياسية.
رابعا: التخلي عن الحسابات الضيقة والانانيات الذاتية والعشائرية بالنظر الى ما يقوي الدولة لا الطائفة او المذهب او العائلة او الفئة. وبالنظر الى ما يؤمن مصلحة البلاد العليا لا مصالح الفئة والطائفة والمذهب، وبالنظر الى ما يناسب النظام السياسي الجامع والاستقرار السياسي لا ما يناسب الاستقرار الهش لوضع شاذ مخالف للقانون والدستور والشرائع العالمية وسمو الدولة واحتكارها الوظيفي. وبالنظر الى ما يقوي المؤسسات ويحصنها ويدعمها وينميها لا الى ما يقوي السلطات الرديفة من امر واقع على الارض ودويلات او مربعات امنية او غيتوهات عصية على الدولة ومحصنة في مواجهة وحدة الارض والشعب والمؤسسات.
في 25 كانون الاول 1941 انطلقت المطالبة بالاستقلال من بكركي من خلال خطاب البطريرك الماروني انذاك غبطة ابينا البطريك مار بطرس عريضة، في كلمة له امام حشود شعبية أمت الصرح بمناسبة عيد الميلاد المجيد حيث طالب غبطته: "…نريد استقلالا ناجزا يطابق رغائب الشعب اللبناني مضمونا من الدول التي سعت لاعلانه… نريد استقلالا مخدوما بحكومة تنتقي اشخاصا صالحين… نزهاء بعيدين عن الرشوة، مستقيمين لا يحابون… نريد استقلالا مبنيا على الحرية في المعتقد، في القول وفي العمل. ويشترط في ذلك عدم الضرر بالغير. نريد استقلالا مبنيا على المساواة بالحقوق…" ( من كتاب الدكتور بيار زياده – التاريخ الديبلوماسي لاستقلال لبنان مع مجموعة من الوثائق – بيروت 1969- ص.172) .
ان هذا الكلام لهو صالح ليكون اليوم كما هو جزء من بيان وزاري يراد به ان يطلق مرحلة استقلالية جديدة وعقلية استقلالية جديدة ومتطورة. لكن السؤال الكبير يبقى مطروحا وبمرارة التجارب:
هل فعلا يريد البعض استقلالا للبنان ؟…