باريس – 3 ليس مطعماً
حرص الرئيس سعد الحريري منذ البداية على القول إنه يريد حكومة قادرة على العمل. ولكي تكون كذلك، يفترض ان تشكل فريقاً متجانساً ومتفاهماً في اطار من الوحدة الوطنية التي تتجلى في كل شيء: السياسة والاقتصاد والأمن.
بعد شهرين من التوسع في النقاش الذي شمل معظم المواضيع في سياق المشاورات بعد التكليف الثاني، وبعد اسبوعين تقريباً من بدء العمل في لجنة البيان الوزاري، آن الأوان للقول: انتهى زمن الاقوال فلتبدأ مرحلة الافعال التي طال انتظارها.
واذا كان الشق المتعلق بالسياسة والأمن قد شارف نهايته في سياق البيان الوزاري، الذي أراده الحريري مقتضباً بحيث ينصب الاهتمام على العمل بغض النظر عن الوعود، فإن كل نقاش حول الشق الاقتصادي – الاجتماعي يبدو ضرورياً شرط ألا يتحول نوعاً من "الشطارة" او بالأحرى "التشاطر"، ودائماً من منطلق الادعاء ان هناك من يريد المحافظة على المال العام وعلى الاصلاح، وهناك من يريد المضي في سياسات "البعزقة" والاهدار.
❑ ❑ ❑
في هذا السياق يبرز ملف مؤتمر باريس – 3 نموذجاً نافراً ومتقدماً، اذ يوحي بعض النظريات والاجتهادات ان هناك من يريد ان تمر الخصخصة من "خرم الإبرة" حرصاً على المال العام، بينما هناك من لا يمانع في تشريع الأبواب أمامها من دون الوقوف ملياً أمام الضوابط والكوابح.
طبعاً هذا ليس دقيقاً لا علمياً، وكل ما قيل في هذا السياق يأتي من منطلقات التوظيف السياسي ومحاولات التشويه والتعطيل التي سبق ان واجهتها حكومة فؤاد السنيورة. والواقع ان ليس في هذه الحكومة انقسام علمي حول الهندسات الاقتصادية، فلا نحن خارج مفهوم اقتصاد السوق ولا نحن في خضم الليبرالية المتوحشة وخصوصاً بعد الزلزال الذي ضرب الاسواق العالمية واعادة الاعتبار الى دور الرقابة والتدخل.
ولكن السياسة وما فيها أحياناً من خلفيات موروثة وحسابات شخصية يمكن أن تجعل البعض في هذه الحكومة يتعامل مع باريس – 3 كأنه مجرد "كارت" في مطعم "MENU" تطلب منه ما تشاء وتستبعد ما تشاء، بينما الواقع غير ذلك تماماً. والمبالغ التي اقرت للبنان في 25 كانون الثاني عام 2007 ووصلت الى ارقام فلكية، اي 7,6 مليارات دولار، انما جاءت على أساس برنامج اصلاحي قدمته الحكومة اللبنانية وشارك في وضعه الوزراء الشيعة قبل اعتكافهم ثم استقالاتهم.
واذا كان هناك الآن 800 مليون دولار يمكن ان تصل فوراً، اذا اقرت بعض البنود المتصلة بها، فالمطلوب وضع السياسة وحساباتها الشخصية جانباً والانخراط في المعالجات الاقتصادية التي تشكل أولوية لدى سعد الحريري ومعظم الوزراء بالطبع.