تساؤلات مقلقة حول إشكالية ملتبسة!!
كنا نتمنى أن تبقى إشكالية التراتبية في قوى الأمن الداخلي داخل جدران المؤسسة، وأن تُعالج بروح الانضباط والمناقبية المشهودة في هذه المؤسسة الوطنية، ووفق القوانين والأنظمة المرعية الاجراء التي تؤكد، بلا لبس ولا إبهام، على إطاعة المرؤوس لرئيسه، ولو على قاعدة <نفّذ ثم اعترض>!.
أما وقد أخرجتها التدخلات السياسية إلى العلن، وأضفت عليها طابع التجاذبات البغيضة، وحاولت استغلال الجانب الطائفي للوظائف الأمنية، فضلاً عن ممارسة بعض الضغوط للحؤول دون اتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على سلامة التراتبية العسكرية.
وأما وقد تحوّلت تلك الإشكالية إلى سلعة في البازار السياسي الذي دخله كل صاحب ثأر على هذه المؤسسة الأمنية وجهازها الناشط في فرع المعلومات، حيث راحت الشعارات والمزايدات تتزاحم في تدبيج المقالات وإطلاق التصريحات، فان المصارحة الهادئة والواضحة حول هذا الموضوع الحسّاس أصبحت واجبة، ليس من باب الرد على الحملات ونكء الجراح، وإثارة المشاعر الطائفية والمذهبية، كما فعل البعض، بل حرصاً على وضع النقاط فوق حروفها الصحيحة، ووضع حد لكل هذا اللغط، وما رافقه من سجالات إلى جانب الدفاع عن المؤسسة التي يشهد تاريخها على وطنيتها التي تدحض كل ما حاولوا إلصاقه بها من افتراءات ظلماً وعدواناً.
* * *
كان من المستغرَب أولاً أن تُستهدف مؤسسة أمنية بحجم قوى الأمن الداخلي، عشية الاحتفال بعيد الاستقلال وما رافقه من كلام لرئيس الجمهورية حول أهمية بناء مؤسسة الدولة، التي وحدها تحمي الطوائف والمذاهب والافراد.
أما المفارقة المحزنة فكانت في محاولات <البعض> تشويه صورة الجهاز الأمني الناشط في مكافحة شبكات التجسس، والتصدي لخلايا الإرهاب، والعمل على فرض الأمن إلى ما استطاع في ذلك سبيلاً، رغم قلة الإمكانيات، والذي استطاع أن يحقق من الانجازات ما جعل قيادته وضباطه الأشاوس موضع احترام وتقدير الداني والقاصي، القريب والغريب!.
أما الطامة الكبرى فكانت بـ <القشة التي قصمت ظهر البعير> وهي مذكرة تشكيل عدد محدود من الضباط تلبية لطلبات مراجع رئاسية، وعلى ضوء حاجاتها الأمنية، ولعل عدم مسارعة سلطة الوصاية السياسية إلى التدخل الحاسم، والبتّ بالاشكالية الطارئة بالسرعة اللازمة، ساهمت بظهور الخلاف الشاذ إلى العلن، واتخاذه ذلك الطابع الدراماتيكي المؤسف، بكل ما حمله من تداعيات سلبية ليس على المؤسسة وحسب، بل وعلى هيبة الدولة والأمن، وقبلهما السلطة السياسية المعنية!.
* * *
قد تكون الاتصالات المكثّفة، والتي امتدت حتى ساعة متأخرة من تلك الليلة الظلماء، والتي شملت مراجع رسمية وسياسية فاعلة قد أسفرت عن <تسوية> لمعالجة الإشكال الطارئ، ومحاصرة انعكاساته السلبية، حتى لا تطال هيبة المؤسسة الأمنية، وللحد من تأثيرها على معنويات ضباط وعناصر قوى الأمن الداخلي.
غير أن تلك <التسوية> لم تحمل في طياتها الأجوبة الشافية لتساؤلات أثارت مشاعر الحيرة والقلق لدى طائفة كبيرة من اللبنانيين، طرحوا أكثر من علامة استفهام حول الملابسات التي أحاطت بإشكالية التراتبية في مؤسسة قوى الأمن الداخلي، وحقيقة أهداف من يقف وراءها.
وعادت تلك التساؤلات بالذاكرة الى حملة الاستنزاف التي استهدفت الرئيس المكلف منذ الأيام الأولى لترشيحه لتشكيل الحكومة عقب فوزه الكبير في الانتخابات النيابية، وذلك بهدف تفريغ انتصاره الانتخابي من أية فعالية سياسية مؤثرة في معادلة التوازنات الحكومية.
وتوقفت تلك التساؤلات عند الحملة المُفتعلة التي تحاول النيل من مؤسسات دينية ومراجع روحية بارزة، شكّلت دعامات مهمة في حركة السيادة والاستقلال طوال السنوات الأخيرة.
ويُذكّر أصحاب التساؤلات المقلقة بأن مؤسسة قوى الأمن الداخلي وقيادتها الحالية، وضباطها الناشطين، كانت وراء كشف خلايا الارهاب في الداخل التي عملت اغتيالاً وتفجيراً في أكثر من منطقة لبنانية، وصولاً إلى مخيم نهر البارد، فضلاً عن نجاح هذه المؤسسة في وضع اليد على مجموعة من شبكات التجسس زرعها العدو الإسرائيلي في الجسد اللبناني منذ عشرات السنين، وشكّل اصطيادها الواحدة بعد الأخرى سلسلة ضربات مباشرة لنشاط الاستخبارات الإسرائيلية على أرض الوطن.
ويطرح أصحاب هذه التساؤلات أكثر من علامة استفهام حول الأهداف المشبوهة والتوقيت المُلتبس للحملة المغرضة التي وُجهت إلى مؤسسة قوى الأمن الداخلي، والتي تركزت على قائد المؤسسة، وجهاز المعلومات الذي قدّم ضباطه دماءً ذكية في تصديهم الشجاع لخلايا الإرهاب والاغتيال وشبكات التجسس، ويتساءلون:
{{ هل هكذا تُكافأ القيادات الساهرة على أمن الوطن وسلامة المواطن؟
{{ ماذا لو حصلت مثل هذه الإشكالية في التراتبية، في مؤسسة أمنية أخرى… كيف سيكون موقف قائدها، وأين سيقف عندها أصحاب الحملة المغرضة على قيادة قوى الأمن الداخلي؟.
{{ هل نسي أصحاب الحملات إياها ماذا حصل من تداخلات عند تعيين مدير عام لجهاز أمني حسّاس في بداية العهد الحالي؟
{{… وهل تناسى هؤلاء ماذا حصل عندما قرّر مجلس الوزراء نقل أحد الضباط الأمنيين من مركزه الحالي..؟
{{… أم أن بين الضباط من يحمل نجوماً من ذهب، وآخرون نجومهم من ورق… حتى لا نستعين بمثل آخر؟!.
* * *
قد يكون من المغالاة القول أن الظروف الملتبسة التي أحاطت بما جرى في قوى الأمن الداخلي، تؤكد استمرار محاولات استهداف طائفة كبيرة من اللبنانيين.
ولكن، لا بدّ بالمقابل، من التأكيد مرّة أخرى، بأن اختلاف المعايير في معالجة الإشكالات والأزمات، ومحاولات الاستقواء هنا… مقابل افتراض <استضعاف ما> هناك، لا يخدم جهود تحقيق الأمن والاستقرار، ولا يوفّر المناخات اللازمة للحوار الجدي، ولعمليات إعادة بناء الثقة وتعزيز التعاون بين أبناء الوطن الواحد.
لقد أثبتت التجارب المؤلمة أن لا أمن بوجود القلق، ولا استقرار في حال فرض الاستئثار!