إلغاء الطائفية أم تكريس الطائفة!!

 إلغاء الطائفية أم تكريس الطائفة!!

ليس مفاجئاً استعجال رئيس المجلس النيابي – مع أن العجلة من الشيطان – على تأسيس الهيئة الوطنية العليا لالغاء الطائفية السياسية، هذه «المناورة» اعتادها اللبنانيون منذ زمن بعيد وتحديداً كلما ارتفع صوت البطريرك مار نصر الله بطرس صفير بخطاب السيادة والاستقلال او بعناوين وطنية يعبّر فيها عن صوت الشعب اللبناني وهو في موقعه «ضمير لبنان الحي»، لأنه وحده لا يخضع للحسابات السياسية ومكاسبها وخسائرها… وليس خافياً ان غبطته ركّز في معظم احاديثه الاخيرة – التي اثارت ضجة وانزعاجاً عند المعنيين – على «سلاح حزب الله» وطبيعة دوره، ولأنه بات من المتعذر شنّ هجمات «نابية ومقذعة» في حق غبطته، الامر الذي سينعكس سلباً على رئيس الجمهورية، سحب رئيس المجلس النيابي كعادته طوال السنوات الخمسة عشر الماضية، الورقة «البعبع» من أدراج المجلس النائمة فيها: الغاء الطائفية السياسية..

عندما تحدّث الرئيس ميشال سليمان عشية ذكرى الاستقلال عن كون بناء الدولة في لبنان «يبرز الحاجة الى تشكيل هيئة لالغاء الطائفية السياسية في البلاد»، وتجاهل الرئيس بري انه شدّد في الوقت ذاته على ان اقرار ذلك «يتطلّب توافقاً وطنياً»، فكانت اولى علامات التوافق الوطني ان شنّ الرئيس برّي هجوماً عنيفاً وغير مبرّر على رأس الكنيسة المارونية، وكأنه يقول للبنانيين: «غصب عن كسر راسكن» سنلغي الطائفية السياسية، وهذا بعدما كرّس نفسه «المفسّر والقارئ» الوحيد والأوحد لاتفاق الطائف فـ«يقطع ويوصل» من عنده..

مَن قال يا دولة الرئيس إن اللبنانيين كلهم يعتبرون سلاح حزب الله «سلاح مقاومة»؟ وبالعودة الى مقولتك: «مَن لا يُدافع عن حدوده تسقط عاصمته»، فكيف والحال ان الذي يدّعي حماية الحدود استدار بسلاحه وسلاح حركة امل وسلاح الحلفاء ليستبيح به العاصمة في 7 ايار 2008؟ ولا نفهم بناء على ماذا يقرّر الرئيس بري منفرداً ان «سلاح حزب الله احيل بالتوافق على طاولة الحوار»، وهكذا حُلّت المشكلة، ويريد ان يسارع الى تشكيل هيئة الغاء الطائفية السياسية – وتحت طائلة التهديد بأن لا بقاء للبنان ما لم يتم الغاؤها، فهل سيبقى سلاح حزب الله يناحر فينا على طاولة الحوار الى يوم القيامة؟

المطلوب اولاً يا دولة الرئيس: ان نتّفق على الصيغة النهائية للاستراتيجية الدفاعية التي تضمن عدم استخدام سلاح حزب الله في الداخل اللبناني، وأن يستخدم في الدفاع عن لبنان في اطار هيكلية تخضع للجيش اللبناني، وإلاّ فالحديث عن الغاء الطائفية السياسية، هو «اضغاث امنيات»، ولن تجد طائفة تقبل به الاّ مَن له مصلحة في رئاسة «مجلس الشيوخ»، فلا يوجد طائفة واحدة مستعدة للانخراط في مشروع كهذا، فيما طائفة اخرى تمتلك قدرات عسكرية تفوق قدرات جيش مسلّح بأكثر انواع العتاد تقدّماً والعديد تدريباً، فكيف تطمئن الطوائف الاخرى فيما طائفة واحدة تتمسّك بسلاحها، وتهدّد وقت الضرورة باستخدامه، لتصبح «رقبة» الطوائف كلها تحت حدّ «سكين» طائفة واحدة!!

وللمناسبة يا دولة الرئيس؛ ليس دقيقاً ان ما جرى في الدوحة هو اكتشاف لبناني «عبقري» اسمه الوحدة الوطنية، كأنك نسيت «يا شيخ المعارضة» أن لبنان كان يحترق تحت عنوان: «السلاح لحماية السلاح»، والسلاح نفسه فرض نفسه وبالتهديد معطّلاً نتائج الانتخابات الاخيرة، لا تحتاج السياسة الى كل هذا التذاكي، وايجاد عناوين وتخريجات ظاهرها «دستوري» وباطنها، وضع اليد على لبنان..

فلتحل اولاً – وهي رأس الاولويات وموضع انقسام لبناني حاد – مشكلة سلاح حزب الله، وبعدها، لن يختلف اللبنانيون على تشكيل هيئة وطنية عليا لالغاء الطائفية، وبما ان دولة الرئيس برّي أكد الغاء الطائفية السياسية مشروعه – الذي تذكره الآن – منذ كانون الثاني العام 1995، نقول: إن الذي انتظر أربعة عشر عاماً، يستطيع ان يتريّث قليلاً الى ان تحلّ حقيقة لا صورياً – فالحكي على طاولة الحوار ما عليه جمرك – مشكلة سلاح المنظمات الفلسطينية داخل وخارج المخيمات، وسلاح حزب الله، الاّ اذا كانت النية معقودة وبحسب البيان التأسيسي لحزب الله أن هذا السلاح معد لخوض معارك تحرير القدس في ايران، عندها يا دولة الرئيس بمقدور الطائفية السياسية في لبنان ان تنتظر ايضاً، الى ما شاء الله…

هذا المشهد ليس جديداً على اللبنانيين طوال الخمسة عشر سنة الماضية، كانوا كلما تحدّث غبطة البطريرك عن شأن لبناني استقلالي، عزفوا على «ربابة» الغاء الطائفية السياسية.. «دخيل الله شو هالسيناريو الممل اللي ما بيتغير»؟!

هل قرأتم بالأمس عنوان احدى صحف المعارضة: هل اصبح لبنان جاهزاً لطلب اخراجه من الوصاية الدولية التي فرضت عليه منذ صدور قرار مجلس الامن الدولي الرقم 1559، في صيف العام 2004، وتسبّبت منذ ذلك الحين بالكثير من المآسي والدماء والدموع اللبنانية؟ وهل قرأتم براءة الصحيفة وهي تفنّد اقتراحها بـ: «صوغ موقف وطني لبناني من هذا القرار الدولي الذي تحوّل الى مبرّر لأصوات لبنانية لا تفتأ تردّد منذ خمس سنوات معزوفة نزع سلاح المقاومة ولو بعناوين ومسميات ومندرجات مختلفة، «أنعمها» وجوب ان يكون قرار السلم والحرب «حصراً بيد الدولة اللبنانية وحدها»، «بشرفكن» أليس هذا هو عين المعنى الذي يرمي اليه رئيس مجلس النواب نبيه بري؟! هناك مَن لم يقتنع بعد بأن التاريخ لن يعود ابداً ابداً ابداً الى ما قبل صدور القرار 1559»..

المصدر:
الشرق

خبر عاجل