طاولة الحوار بهيئتها الجديدة في انتظار وضع معايير اختيار أعضائها
رئيس الجمهورية: ألا نــتــحـــاور مــن دون أزمــــات وطـــنـــيـــــة ؟
ثمة حساسيات مفرطة لدى البعض في لبنان عند كل حديث عن إلغاء الطائفية، ومن الضروري جداً مراعاتها بالتركيز الدائم على الفارق الشاسع بين الطائفية والطوائف، وبين نبذ التعصب والتفرقة، والتوازنات وعدم الاخلال بها.
ولا يكفي الكلام على الغاء الطائفية السياسية لكي ينفذ الأمر فوراً، او على ازالتها من النفوس قبل النصوص وما شابه من عبارات باتت مستهلكة ولا تؤدي الى النتائج المتوخاة، ما دامت هناك مجموعات تخشى على مستقبلها وتربط بينه وبين النظام الطائفي. وأي كلام على الغاء الطائفية ينبغي ان ينطلق من طمأنة هذه المجموعات الى الحرص على التوازنات. ولا يعني ذلك على الاطلاق ان اصحاب الدعوات الى الغائها يستهدفون دائماً هذه التوازنات. ولكن الواقع الذي لا يمكن انكاره ان ثمة حساسيات وهواجس عند الجميع، وقد بلغت عند البعض حد "النقزة" والتوجس من عبارة تنتقد الطائفية من زاوية تناقضها مع الديموقراطية والعدالة وحقوق الانسان. ومن غير الجائز تجاهل هذا البعض الذي يخشى اساءة فهم العبارة وكأن المقصود بها الغاء الطوائف، وهذا بدوره غير جائز وغير ممكن. فالتنوّع مصدر غنى، او هكذا يفترض ان يكون. والتعصب الطائفي ورفض الآخر، مصدر تفرقة وتراجع مستمر.
وهكذا يبدو حديث العلمنة في ظل هذا الواقع، من الاحلام غير القابلة للتحقيق اقله في "الاجيال" المنظورة!
واما حديث فريق عنها، فغالباً ما يكون رداً على حديث يثير حساسيته من فريق آخر، وهكذا دواليك. وقلة نادرة هي تلك التي تطرح العلمانية بصدق وباقتناع وبهدف تحقيقها، سواء عند المسلمين او المسيحيين. وفي تجربة اقتراح تشريع الزواج المدني في عهد الرئيس الراحل الياس الهراوي خير برهان. كانت المؤسسات الدينية عند الجميع، كل ينتظر الآخر للرفض. لم يبلغ اللبنانيون بطوائفهم المختلفة مرحلة نضج فكرة الخروج من قمقم الطوائف والمذاهب الى رحاب الوطن. واما القلة المشار اليها فلا حول لها ولا قوة، وان تكن مكوناتها من كل الطوائف وبعض الأحزاب المحدودة الامكانات. فالتركيبة الطائفية بمتفرعاتها السلطوية الدينية اقوى من الجميع. ومما يزيدها قوة ونفوذاً، عدم مقاربة المسألة الطائفية من زاوية طمأنة "الاقليات"، ولبنان يتكوّن من مجموعة اقليات، وعبثاً الحديث عن إلغاء الطائفية، سياسية ام ادارية ام غيرهما، اذا استمرت "النقزة" المشار اليها بلا معالجة علمية وعقلانية، وهي تتلخص بخوف من هيمنة فئة او مجموعة على اخرى، تحت ستار الغاء الطائفية. وهذا الواقع لا يبرر عدم الاقدام على محاولات طمأنة متبادلة، وحملات توعية تجعل التنوّع الطائفي مصدر غنى فعلاً، وتربية الاجيال الطالعة على قاعدة التمييز بين التديّن والتعصّب، ورفض تصنيف "الآخر" من خلال انتمائه الديني، وذلك تمهيداً للوصول ذات يوم الى تحول المجموعات الطائفية، مجموعة وطنية وحدها ستكون قادرة على الخوض في خطوات إلغاء الطائفية من النفوس والنصوص، ودون خوف متبادل او تعصب فئوي غالباً ما تعوّد اللبنانيون تغطيته بالمجاملات. وليس عيباً على الاطلاق ان تكون الطموحات متواضعة في البداية، بدءاً بالمصارحة وبالتفكير بصوت عال كخطوة اولى على طريق الوصول الى وطن يطمئن فيه الجميع ولا يخيف احداً من مواطنيه حديث الغاء الطائفية السياسية، اذ يرى فيه محاولة لالغاء طائفته!
ويبدو واضحاً ان رئيس الجمهورية ميشال سليمان يدرك تماماً المخاوف والهواجس و"النقزات" ويأخذها في عين الاعتبار، اذ يشدد في معرض جوابه عن سؤال حول انشاء الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية على "ضرورة العمل في هذا الاتجاه ضمن روح الميثاق الوطني والتزام البند "ي" في مقدمة الدستور، والذي ينص على ان لا شرعية، سواء كانت في مجلس الشيوخ او المجلس النيابي او رئاسة الجمهورية، اذا كانت تناقض ميثاق العيش المشترك". ويضيف: "فلنقارب هذا الموضوع ونناقشه على قاعدة عدم مناقضة العيش المشترك الذي يتوج الدستور من خلال البند "ي"، وهو ملزم في كل البنود".
ومع تأكيد دعوته طاولة الحوار الى الانعقاد في المرحلة المقبلة، فإن رئيس الجمهورية يحرص على التأكيد انها "لا تنوب عن السلطة التنفيذية" في رد واضح على مواقف متعددة يرى اصحابها ان الحوار يجب ان يكون ضمن المؤسسات الدستورية ولا سيما بعد انجاز الانتخابات النيابية وقيام حكومة اتحاد وطني.
وعلى كل حال، من غير المتوقع، بل من غير الممكن معاودة جلسات الحوار في المدى القريب، فهي لم تشكل بعد بهيئتها الجديدة بعد الانتخابات، ولم توضع بعد المعايير الجديدة لاختيار اعضائها، وبموجبها منهم من سيغادر ومنهم من سيبقى وستحل وجوه جديدة بدل اخرى كانت على طاولة الحوار.
واللافت ان رئيس الجمهورية يحرص على التأكيد ان هدفه من الدعوة الى الحوار ليس تعزيز مؤسسات على حساب اخرى، او انتزاع صلاحيات لرئاسة الجمهورية من رئاسة مجلس الوزراء او مجلس النواب، بل معالجة ثغر تحدث عنها الجميع، وتتعلق بانتظام عمل المؤسسات وتوزيع المسؤوليات بشكل متكامل.
ويدرك رئيس الجمهورية وفق اوساط قريبة منه ان "عقارب الساعة لن تعود الى الوراء"، ومن السذاجة محاولة اعادة الامور الى ما كانت عليه في الدستور السابق، ولكنه في الوقت نفسه يسأل: "هل من الضروري ان نكون امام ازمة وطنية لكي ندعو الى حوار وطني؟" وفي اعتقاده ان الحوار يجب ان يكون ممارسة يومية وان يستمر في المؤسسات وعلى كل صعيد، ويكرر السؤال: "هل ننتظر مشكلة؟ الا نتحاور بدون ازمات وطنية؟".