#adsense

الجماعة الإسلامية ومن يقودها: نحو تدوير الزوايا

حجم الخط

الجماعة الإسلامية ومن يقودها: نحو تدوير الزوايا

كتبت فداء عيتاني في صحيفة "الأخبار": لا شك في أن الجماعة الإسلامية خرجت من الانتخابات النيابية مثخنة بالجراح والرضوض. لم تجر الأمور كما كانت تريد لها أن تكون، واكتفت بما أمكن الحصول عليه، فحصلت على نائب، وعلى وعد بوزارة جرى تمييعه لاحقاً ونسيانه. ورسمت الجماعة الإسلامية محاولة تسوية ما بين المطلوب منها من جانب تيار المستقبل، وإرادة مؤسساتها التنظيمية التي كانت تريد الترشّح لستة مقاعد نيابية في البلاد. وانتهى الأمر بها إلى الشكوى من التيار المذهبي الجارف الذي يكاد ينسى أو حتى ينكر على الجماعة اسمها الإسلامي، فيقف أبناء الطائفة الذين تفترض الجماعة أنها ممثّلهم الشرعي والأكيد ضد مرشحيها إذا لم يكونوا على لوائح الأكثرية وتيار المستقبل.

كانت تلك مجزرة بحق الجماعة وتاريخها، «وهي التي حصلت على 3 نواب في مناطق مختلفة في ظل الوجود السوري في عام 1992»، يقول أحد القياديين فيها. وكان النائب السابق والقيادي في الجماعة قد قال في وقت سابق إن الجماعة اتُّهمت بالخروج عن الصف، وبمساعدة «المدّ الشيعي»، قبل أن يضيف «حتى بتنا نعتقد أن حزب الله أصبح في القلمون، واحتجنا إلى فحص دمائنا لنعرف ما إذا كنّا تحوّلنا شيعة».

انتهت الانتخابات، والجماعة مُنيت بمصابين، بحسب تعبير إبراهيم المصري، الذي يقوم اليوم بمهمات الأمين العام للجماعة. المصاب الأول هو المرض الذي ألمّ بالأمين العام الشيخ فيصل المولوي، الذي يصارع مرضه حتى اللحظة. والمصاب الثاني هو وفاة الدكتور فتحي يكن.

ويمكن بسهولة إضافة المصاب السياسي الثالث إلى الأوّلين، ألا وهو نتائج الانتخابات النيابية التي حصلت فيها الجماعة على مقعد واحد في بيروت الثالثة، شغله عماد الحوت على لوائح تيار المستقبل، بينما كانت نتائج التصويت هزيلة لمرشحيها في كل لبنان، وهي خاضت معركة لإبقاء مرشّحيها في المناطق، واضطرت إلى سحب علي الشيخ عمار من صيدا لترك المواجهة بين المعارضة والمستقبل في المدينة فقط لا غير.
وفي إحدى الدوائر التي خسرت فيها الجماعة الإسلامية يقول مرشحها إن قوى الأكثرية استخدمت في المعركة 100 مليون دولار، وهو رقم لا يستغربه أحد أبرز قياديي الجماعة.

المصاب الأول للجماعة كان في مرض الأمين العام المولوي، الذي طالما مثّل نقطة الوسط داخل الجماعة وخارجها. وهو كان دائماً شخصية مقبولة لدى الأطراف المختلفة، ويكنّ الجميع الاحترام له. وحين كانت قوى المعارضة تلتقيه، كانت تجد لديه آذاناً صاغية، وتعاطفاً كبيراً مع قضايا رئيسية كالمقاومة والملف الفلسطيني، وهو الموقف الرسمي لدى الجماعة في الأحوال كلها. وكان الرجل يحاول الخروج من وحل السياسة اليومية لدى مناقشته للأطراف.

هذا الرجل أقعده المرض عن القيام بمهماته، لذا اتُّخذ قرار داخلي، وفق الآليات التنظيمية، بتسليم إبراهيم المصري، نائب الأمين العام حينها، مهمات الأمانة العامة.

حين يخبرك إبراهيم المصري بمهماته الجديدة تلمس منه محاولة عدم إعطاء الأمر أهمية. هو لا يزال، بحسب عارفيه، يحاول التملّص من موجبات الموقع الجديد ورسميّاته. فأن تكون أميناً عاماً لحركة الإخوان في لبنان وجزءاً من الحياة السياسية أمر، وأن تكون نائباً للأمين العام وتعمل طيلة الوقت في الظل أمر آخر تماماً، وكثيرون هم من لا يتوقعون موافقة المصري على منصب الأمين العام، فالرجل اعتاد البقاء في الظل. حتى في علاقاته الإعلامية، يحاول التملّص من لقاء الصحافيين ما استطاع. وهو بلا شك الرجل الأقوى في الجماعة، وخاض لأعوام طويلة سياسة حافة الهاوية في العلاقة مع حزب الله ومع المعارضة اللبنانية، وأحياناً كان يدفع بالعلاقة بين الجماعة والمعارضة إلى الهاوية عن سابق إصرار وتصميم.

ومن يعرف إبراهيم المصري لا يستغرب أن يفجّر اجتماعاً ليقول فكرة مقتنعاً بأنها تمثّل مصلحة الجماعة الإسلامية مرحلياً، ولا أن يؤدي بعلاقة إلى نهاياتها السلبية مقابل أن يتحدث بما يراه ويقول ما يعتقده، وهو بذلك الرجل الأقوى الذي لا يرغب ولا يقدر ولا يريد تدوير الزوايا مع القوى الأخرى. وهو في النصف الأول من أيار الماضي رفض إرسال صحافيين من الجماعة الإسلامية لتغطية مؤتمر الدوحة، معتبراً أنه إضاعة للوقت.

وحين يتعرّض المصري لضغط يمكنه دائماً أن ينتحي إلى الظل، حيث لديه جداول أعمال طويلة، من الملف الإعلامي في الجماعة إلى النشاطات الداخلية والخارجية. ولن يلبث بعد فترة أن يعود إلى الصورة، ولكن دائماً داخل الحلقات السياسية الضيّقة وفي مقارّ الجماعة الإسلامية.

اليوم، أمام المصري تحدّ. بعض من التقاهم أخيراً يتحدثون عن هدوء بات يميّز نبرة الرجل، وعن تريّث ووسطية لم يعهدوها فيه. وهم يضعون الأكف على القلوب، ويقولون «إن شاء الله يكون الرجل يتجه نحو تدوير الزوايا وصياغة هادئة للعلاقات السياسية بين الأطراف». لم يخيّب أبو عمر آمال المعارضين خلال الاجتماعات واللقاءات الأخيرة، ولكن دائماً هناك حذر من قبل المعارضة تجاه الجماعة بعد السياق الذي شهدوه خلال الأعوام الأربعة المأزومة الأخيرة.

الحدّ الذي يقف أمامه الرجل هو قيادة حركته دون الصدام المباشر مع أيّ من الأطراف. فهكذا حاولت الجماعة رسم سياستها وشبكة علاقاتها، إلا أنها في النهاية وقعت في حقل الألغام الذي أثخنها في الانتخابات النيابية الأخيرة بالجراح.

من الانتخابات النيابية إلى تلك البلدية، ستكون أمام الجماعة فرصة من الانتخابات النيابية إلى تلك البلدية، ستكون أمام الجماعة فرصة أخرى لرسم علاقة مختلفة مع جمهورها. لا يتحدث قياديّو الجماعة طويلاً عن الانتخابات البلدية المقبلة، فهم اليوم ينشغلون بصياغات داخلية؛ ثمة إجراءات تمّت داخلياً وأخرى في طور الإتمام، المناطق أجرت تعييناتها وانتخاباتها في الجسم التنظيمي، وستكون مدة ولاية الأمين العام الذي سينتخب لـ3 أعوام، أقصر من السابقة التي كانت أربعة، وسيوضع شرط عدم شغل هذا الموقع أكثر من مرتين. كذلك، مُدّدت ولايات المواقع الأخرى التي كانت عامين إلى ثلاثة أعوام.

أما طرح الأسماء للمناصب عادة في الجماعة فلا يحصل ترشّحاً بل تزكية، «في الجماعة من رشّح نفسه، فارتد ذلك سلباً عليه، حصل الأمر مرات معدودة. وفي منطقنا الداخلي، فإن على شخص أن يزكّي اسماً للموقع، ويجري التصويت بناءً على تزكية لا ترشّحاً ذاتياً»، يشرح إبراهيم المصري، الذي يؤكد البعض أنه اليوم في موقع الشخص الوحيد القادر على المتابعة بقيادة الجماعة الإسلامية.

من يلتق المصري اليوم يعلم أن الرجل لا يزال يتحدث بصراحة كاملة، ويبثّك لواعج نفسه وآرائه، إلا أنه حريص على تذكيرك بأن ليس كلّ ما يعلم يقال، وليس كلّ ما يقال ينشر.

المصدر:
الأخبار

خبر عاجل