لبنان : تهدئة فوق رمال متحركة
لا يخفى على المراقب ان التطورات التي تسارعت في الاشهر القليلة الماضية في لبنان ورسخت مناخات التهدئة الى حد ما، انما جاءت على خلفية تهدئة في العلاقات العربية – العربية معطوفة على تفهم ايراني لحاجة حليفها السوري في هذه المرحلة بالتحديد الى تحسين وضعه على المسرحين العربي والدولي في آن واحد.
وكانت طهران قد حققت مكسبا كبيرا في الساحة اللبنانية من خلال احداث 7 أيار التي ثبتت معادلة داخلية جديدة لحماية قلعتها على الساحل الشرقي للمتوسط. وجاءت مكاسب سوريا في علاقاتها الاوروبية والاميركية والاسرائيلية خلال عامي 2008 و2009 لتسمح لها ولايران بتسهيل حصول الانتخابات النيابية في لبنان، وإن تكن النتائج اتت مفاجئة للحليفين، فإن معادلة "اتفاق الدوحة" الذي حصل في نهاية ايار 2008، استمرت قائمة لجهة اخراج موضوع سلاح "حزب الله" من دائرة الضغط السياسي الكبير، وتجديد المعادلة الحكومية القائمة على تمكين حلفاء كل من ايران وسوريا في لبنان من الاستحواذ على حق الفيتو في السلطة التنفيذية رغم خسارتهم الانتخابات النيابية في حزيران 2009. وفي النتيجة تمكن الحليفان السوري والايراني من الوقوف فوق ارض مريحة في لبنان: ايران بحفاظها على قلعتها المتقدمة على شاطئ المتوسط بواسطة ذراعها "حزب الله". والحكم السوري باستخدامه ورقة وقف التدهور الامني تحديدا في سياق اوسع لعقد صفقة على مواضيع عدة مع السعودية، وفتح مزيد من الابواب الاوروبية والدولية بعد طول معاناة من جراء الحصارين العربي والدولي بين 2005 و 2008.
على الارض في لبنان يبدو المشهد اليوم وكأن المعطى الخارجي طغى الى حد جعل معه كل نقاش سياسي حقيقي همساً، وكل خلاف جوهري حول قضايا جوهرية شأنا هامشيا قياسا على الصورة الاوسع. فالحكومة التي تألفت ما كانت لترى النور لولا المعطى الخارجي. والنص المتعلق بـ"سلاح حزب الله" في البيان الوزاري للحكومة الجديدة المعتبر موضوع خلاف عميق في البلاد لم يكن في الامكان تجاوز اهتزازاته لولا وجود مظلة عربية – عربية. لكن الثابت من جهة اخرى ان معظم التسويات التي تمت حتى الآن اتت على حساب مسلّمات استقلالية شكلت نقطة الالتقاء بين معظم اللبنانيين في لحظة الانتفاضة على الوصاية السورية في 2005. والمسلمات هذه التي تنادي بالاستقلال، والسيادة، والحرية، ومشروع الدولة واستحواذها على وسائل العنف، والتعددية، وتحييد لبنان عن الصراعات العربية – العربية، وضعتها التسويات الخارجية في الثلاجة مما شكل و يشكل تراجعا حتميا لمشروع بناء الدولة. وفي المقابل ربحت البلاد فترة سماح امنية جديدة في الوقت الذي تبدو المنطقة برمتها وكأنها على حافة بركان: من النزاع الايراني – الدولي حول المشروع النووي الى الحرب الايرانية – السعودية بالواسطة في اليمن، واحتمالات الصدام في موسم الحج في مكة خلال اليومين المقبلين ، الى الانقسام الفلسطيني – الفلسطيني .
طبعاً يستحيل عزل التراجعات المجحفة بحق مشروع الاستقلال اللبناني التي امنتها تسويات مجحفة للمستقبل اللبناني عن الاصطفافات المستجدة داخليا ، وهي سمة راسخة في الحياة اللبنانية الداخلية منذ ما قبل ولادة الكيان اللبناني الحديث. لكن التهدئة والتسويات والتراجعات والتحولات الداخلية كلها لن تلغي امرا اكيدا هو ان كل ما يبنى الآن انما يبنى على رمال متحركة ….