#adsense

لبنان يتفوّق في “المهرجان الأوروبي للشاشات الأربع” بفضل الخلوي

حجم الخط

لبنان يتفوّق في "المهرجان الأوروبي للشاشات الأربع" بفضل الخلوي

كتب غسان رزق في صحيفة "السفير":  مبنى ضخم مهجور، لكنه يحتفظ بالكثير من الترفع وببقايا إطلالة ارستوقراطية من عهود غبرت، يعلوه سقف قرميد كبير. لا شيء حوله سوى الهجران والذواء والإهمال المتطاول. إنه المكان الذي اختاره فريق لبناني يدرس في فرنسا. وأطلق فيه عنان كاميرا الخلوي، لأنه كان محطة قطار: «منذ عشرة أعوام، لم يعد ثمة قطار…إن لم يكن هناك قطار، لا تكون حياة». حقق الفيلم الذي صنعه الطالبان برتران غليوم ومارك أنطوان بندلر في مؤسسة «إيسكابا» للفنون البصرية في فرنسا فوزاً مزدوجاً مدهشا. إذ فاز بجائزتي «الشاشة الذهبية لأفلام الخلوي» و«أفضل إنتاج للأجيال الشابة» في مهرجان أوروبي حديث جداً، وغرائبي الى حدّ ما.

فاز هذا الفيلم بجائزة لمهرجان أوروبي لم يلق الإعلام العربي له بالاً. ففي التنهيدة الفاصلة بين بداية غيبوبة الإعلام العربي في التحريض الشوفيني بين مصر والجزائر، وبين الاعلان عن طرح الألبوم الأول للمغنية «المفاجأة» سوزان بويل التي ولدت من تزاوج التلفزيون وموقع «يوتيوب» الالكتروني، استضافت باريس الدورة السنوية الثالثة لـ «المهرجان الأوروبي للشاشات الأربع – سينما/ تلفزيون/ شبكة الويب/الخلوي» European 4 Screens Festival- Cinema/TV/Web/Mobile. والمعلوم أن المهرجان انطلق في العام 2007، بمبادرة من الفرنسي هيرفيه شبالييه، الذي يرأس مؤسسة «كابا» CAPA التلفزيونية المعروفة في بلاد الغال. وفاز بالجائزة الكبرى (جائزة الشاشات الأربع) الفيلم التلفزيوني الوثائقي «بورما في جي: تقرير من بلد مقفل» (إخراج: أندرياس أويستراد)، الذي نال أيضاً هيئة التحكيم لفئة الشباب. وشارك في فئة أفلام التقارير التلفزيونية أشرطة مثل «أكراد» و«كاش وماري» و«موز» و«أحلام» و«القطة وحضرة المحترم والعبد» وغيرها. وترأس هيئة التحكيم لهذه الفئة مغني الراب الفرنسي فيليب فراجيون المشهور باسم «أخناتون»، وهو من أسرة إيطالية مهاجرة تعيش في مرسيليا.

يمنح المهرجان جوائزه للأفلام التي تستطيع أن تتأقلم مع أكثر من شاشة. وبحسب كلمات موقع المهرجان، «صار للفيلم أكثر من حياة. قد يولد على الشبكة العنكبوتية، أو في التلفزيون، لكنه يستطيع أن يلد نفسه تكراراً على شاشات مختلفة…إن الجائزة تقدّر الفيلم الذي يستطيع أن يتخيّل حياته على أكثر من شاشة معاصرة». ويستند المهرجان إلى مفهوم مفاده أن الثورة الرقمية غيّرت في تجربة المشاهدة المعاصرة، كما جعلتها متعددة الآفاق. ويرى أن القول الذي ساد طويلاً عن «مشاهدة فيلم»، لم تعد تصف علاقة المتفرج بالمواد المرئية- المسموعة في العصر الرقمي.

على الأقل، ثمة أربعة خيارات للفرجة، تعطيها شاشات أربع. فأي فيلم ذاك الذي شاهدته الأعين؟ أهو فيلم طويل عُرِض على شاشة كبيرة في قاعة معتمة، كالفرجة السينمائية التقليدية؟ أم أن الفيلم أُرسِل عبر شبكة الانترنت ليشاهد على شاشات الكومبيوتر التي تخزّنه، أم أنه عرض بثاً على شاشة التلفزة، أم أنه نُقِل عبر شبكات الخلوي المتطورة؟ كذلك تجدر ملاحظة النوع الذي تنتمي إليه المادة الرقمية المرئية – المسموعة: هل انه فيلم خيالي أو وثائقي أم شريط تفاعلي من نوع الـ «ميلتي ميديا»، أم لعله فيلم كرتون بتقنية الإحياء بالكومبيوتر؟ يرى المهرجان أنه بات من الضروري الإشارة الى تلك الأشياء راهناً، بدلا من الاكتفاء بقول من نوع: «شاهدت فيلماً»، كي يصبح الخبر عن المشاهدة له دلالة تتصل بالعصر الذي نعيشه وشاشاته المتعددة.

بين بويل والمهرجان
لعل المصادفة التي جمعت بين إطلاق سوزان بويل لإلبومها المصور الأول «أبصرت حُلماً» وبين المهرجان، تتوافق مع رؤية المهرجان ومنظميه. فمثلاً، ما معنى قول: «شاهدت فيلم سوزان بويل في مسابقة «بريطانيون لديهم موهبة»؟ الأرجح أنه يشير الى الفيلم القصير (بحدود 5 دقائق) التي استغرقتها بويل في المثول أمام لجنة تحكيم تلك المسابقة التلفزيونية، وغنائها أنشودة «أبصرتُ حُلماً» المأخوذ من المسرحية الغنائية «البؤساء». كم من فن ورد في المقطع السابق، وكم من وسيط إعلامي؟ وُلدت مادة بويل على التلفزيون في بث لم يستغرق سوى دقائق. ثم انبعث الى حياة مديدة ما زالت متصلة، منذ 7 شهور، على موقع «يوتيوب» على الانترنت، فصار فيلماً شبه وثائقي عن لحظة ولادة لنجمة غير مألوفة. وتناقلت الخلويات في الغرب ذلك الشريط، بصيغ متعددة. ثم أعلن موقع «أمازون» على الانترنت، عن ألبوم فيه أفلام قصيرة للمغنية عينها! شاشات متعددة لـ «فن» مُفرد. والأرجح أن ذلك أحد أقوى التحوّلات في زمن الشاشات المتعددة راهناً.

في «مهرجان الشاشات الأربع» الأوروبي، نال جائزة الشاشة الذهبية عن أفلام التقارير التلفزيونية المُطوّلة «أنا وعائلتي الغجرية ووودي آلن» (إخراج الإيطالية لورا هاليلوفيتش). وحلّ فيلم «المُدرّب» (إخراج يورام لارسن) في المرتبة الثانية عن الفئة عينها. وانتزع فيلم كرتون الكومبيوتر «العيش مع الخارجين عن القانون» جائزة الشاشة الذهبية لأفلام الانترنت، وهي فئة تمنح جائزتها للمرة الأولى. قصّته؟ علي وعمر وعبد الله ورضا والعم «مو». إنهم أفراد عائلة مهاجرة عربية تعيش في مدينة برادفورد الإنكليزية. لكنهم يشكلون أيضاً خلية إرهابية! وبمزيج من خيال المخرج آصف أينابور وتقنية الإحياء بالكومبيوتر، يعرض فيلم الـ «ويب» قصة الصراع الذي يعيشونه بين ما يقدّمه الغرب من عيش ووسائل تقنية، وبين الوعود بحوريات الجنّة! شارك في هذه الفئة 12 فيلماً رقمياً وتفاعلياً، مثل «يوميات في أفغانستان» و«الحب من الموقع الالكتروني الأول» و«هل البدانة قدر؟» و«الستار الحديدي لإيران 1989- 2009» و«أمكنة عيشنا» و«ألف قصة». وحلّ في المرتبة الثانية فيلم «كاميرا الحرب» (إخراج ليش كوالسكي) عن العيش اليومي في أميركا الأزمة الاقتصادية والحروب وأوباما واليمين النازي الجديد. واستطاع فيلم «مُهاجر سري يُطرد كأنه ثور» إحراز جائزة مراسل الخلوي. وصوّره الشاب الأمين مبنّغ، أثناء توقفه في قاعة الترانزيت في مطار مدريد. إذ وجُه كاميرا الخلوي على عربة للشرطة حملت مهاجراً سريا إلى طائرة لتنقله الى داكار. ووُصفت مشاهد الفيلم بأنها صادمة، وتنطق عن قدرة الكاميرا الرقمية بأن تكون شاهداً على فظاعات الحياة اليومية للناس.

من الواضح أنه مهرجان للفن الرقمي، يشير وشكله وموضوعات أفلامه، إلى انقلاب في معنى الفن وعلاقاته ومدلولاته. وتلك أمور تحتاج الى وقفة أخرى وأكثر.

المصدر:
السفير

خبر عاجل