#adsense

بري أخطأ في توقيت إلغاء الطائفية بمعزل عن الدوافع

حجم الخط

المضي في إثارته هدّد بكرة ثلج ووفّر مكسباً لمسيحيي الغالبية
بري أخطأ في توقيت إلغاء الطائفية بمعزل عن الدوافع

هل استعجل رئيس مجلس النواب نبيه بري في فتح موضوع انشاء الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية، ام ان الورقة اثيرت للمساومة على الجدل الدائر حول موضوع سلاح "حزب الله" وفق ما اعتبر البعض، بحيث يوازي سحب هذه الورقة وقف الجدل حول السلاح ووقف اثارة ضجيج حوله؟
يعتبر كثر ان الرئيس بري خطا خطوة متسرعة على طريق اعلان نية السير قدما في انشاء الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية ورمي الكرة في التداول، وذلك في حال صفت النيات، وان توقيت هذا الاقتراح بريء من اي خلفيات سياسية، وفي المقابل، كثر لا يعتبرون انه كذلك، باعتبار ان رئيس مجلس النواب لم يغادر موقعه بعد في المعارضة او بالاحرى في 8 آذار، ولو حاول ان يظهر غير ذلك بعد الانتخابات النيابية . والابرز هو في استمرار ما يعتبره كثر المشاريع المحالة من الحكومة السابقة امام المجلس الذي اقفله الرئيس بري بالذات من دون حل. ولم ينفع تظلله برئيس الجمهورية ميشال سليمان الذي تشاور معه الرئيس بري بحسب قول الاخير قبل ان يقدم على هذه الخطوة، ولا بالنائب وليد جنبلاط الذي توافق معه على مبدأ ضرورة الغاء الطائفية السياسية، علماً ان الرئيس سليمان بادر الى اقتراح تعديلات دستورية على صلاحيات الرئاسة لم تقابل بدورها بأي حماسة حتى من جانب الافرقاء المسيحيين، في حين استفز هذا الموضوع مجموعة من الخبراء الدستوريين الذين لا يرون ما يراه الرئيس سليمان ويدفعون الى الواجهة بمنطق مختلف، خلاصته ان رئيس الجمهورية يتمتع بصلاحيات كافية ليس من المستحسن تعديلها لانها قد تفتح الباب على تعديلات اخرى يطالب بها آخرون ويتوقع ان يبدوا وجهات نظرهم جهراً متى بدأ البحث في الموضوع على نحو جدي . كما لم يكن التظلل بالرغبة في بدء تطبيق كل بنود اتفاق الطائف كافياً لعدم عرض التحفظات نتيجة المخاوف التي اثارها توقيت بري في طرح الموضوع، اذ تم الرد عليه باعتماد التدرج في تطبيق ما ورد في هذا الاتفاق، علماً ان البعض يرى ايجابية في اعلان بري الرغبة في تطبيق الاتفاق الذي تمسكت به قوى 14 آذار بقوة في الاعوام الأخيرة، خصوصاً في مقابل محاولة فرض المعارضة السابقة اتفاق الدوحة بدلاً منه، وقد قابله البعض بالترحيب على هذا الاساس ولم يرفض اقتراحه بالمطلق، بل اقترح التريث وتمهيد الاجواء المناسبة لمناقشة مثل هذا الموضوع. لكن التوقيت يوازي في شكل عام كسب نصف المعركة في اي مشروع، اياً تكن طبيعته، اذا كان السعي جديا الى تحقيق اختراق ما على هذا الصعيد والتوقيت الراهن غير ملائم لهذا الاقتراح.

وثمة اسباب اساسية تجعل هذا التسرع مبرراً لاجهاض الاقتراح ما لم تكن الغاية الوصول بالرفض المسبق والمعروف لموضوع الغاء الطائفية السياسية الى مكان آخر وفق ما يرى آخرون. فرئيس مجلس النواب الذي استعجل تأليف الحكومة التي تأخرت ما يزيد على اربعة اشهر، ثم استعجل البيان الوزاري من اجل الانتهاء من الخلافات والجدل والانتقال الى مرحلة منتجة مفيدة للمواطن من حيث المبدأ، بادر الى طرح موضوع خلافي في عز استمرار الخلافات، كأنه يريد من هذا الاقتراح ربط نزاع مع المناقشات في لجنة صياغة البيان الوزاري.

فالروح التصالحية التي يبشر بها السياسيون لا يندرج اقتراح الغاء الطائفية السياسية في هذا التوقيت في اطارها، باعتبار انه كان من الضروري للسياسيين ان يتركوا على الاقل فترة الاعياد الاسلامية والمسيحية القريبة بعيدة من اي اقتراحات تفتح الباب على خلافات جديدة متوقعة ومعروفة في المدى المنظور. ولم يكن اللبنانيون في حاجة الى ان يناموا على الخلافات القائمة حول مضمون البيان الوزاري ليستيقظوا على موضوع تم نفض الغبار عنه وابرز الى الواجهة، باعتبار ان الترف السياسي الذي يعيشون فيه يسمح بمناقشة مثمرة ومنتجة على هذا الصعيد في هذا التوقيت وبالتزامن مع مجموعة مسائل اخرى لا تقل تعقيداً، في مقدمها موضوع الاستراتيجية الدفاعية. فاذا كان صحيحاً وجدياً وفق المراقبين انفسهم الاستفادة من الاشهر المتاحة اقليميا من اجل امرار بعض القوانين المتعلقة بشؤون الناس، فان فتح ابواب جديدة مشرعة على خلافات تستعيد الاصطفافات الطائفية وليس السياسية فحسب، لم يكن في محله، ولو ان البلاد في حاجة الى البدء بورشة اصلاح متعددة الجانب، علماً ان مراقبين كثراً يعتبرون ان موضوع الغاء الطائفية السياسية خطير وربما يتسبب بحرب اهلية وان لم يكن احد ضد هذا الالغاء في المبدأ. وهذا ما رآه كثر حتى في دعوة الرئيس سليمان الى تعديلات دستورية في صلاحيات الرئاسات. اذ ان رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" العماد ميشال عون اضطر علنا الى مجاراة رفض المسيحيين لاقتراح بري وتوقيت طرحه، وحتى الرئيس سليمان تحدث بدوره عن "وجوب ايجاد توافق لبناني شامل بما لا يناقض ميثاق العيش المشترك وروح الدستور"، لئلا تتحول مسألة رفض المسيحيين التي تتجاوز في الواقع مسيحيي قوى 14 آذار الى كرة ثلج يقطفها هؤلاء سياسياً، وهو ما يعتبر البعض انه حصل فعلاً، فيصبحون هم وحدهم من يدافع عن مصالح المسيحيين ووجودهم تماما على ما اصبح موقفهم من سلاح "حزب الله" في مضمون البيان الوزاري. فالمعارضة مربحة بالاجمال، واذا اضطلع مسيحيو قوى 14 آذار بهذا الدور فقد يحرجون القوى المسيحية الاخرى التي تشكل جزءاً من المعارضة السابقة، خصوصاً في مسائل مصيرية مثل الغاء الطائفية السياسية او موضوع الاستراتيجية الدفاعية وما الى ذلك.

في اي حال، يعتقد غالبية المراقبين ان هذا الموضوع طوي، او سيطوى بالسرعة التي فتح فيها بعدما استحضر الجدل حول الفترة الماضية التي يقول الجميع بوجود رغبة في تجاوزها الى مرحلة جديدة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل