الدستور "الانتقالي" بدعة لا دستورية والطائف منها براء
"الطائفي" هو من يعمل على إلغاء المناصفة الإسلامية المسيحية
الدساتير ليست نصوصاً منزلة. هذا صحيح. الدساتير يجري تأوّلها من مواقع مختلفة. هذا صحيح. كلّ مرحلة معيّنة تفرض سمة معيّنة تطغى على تفسير الدستور. هذا صحيح أيضاً. الدساتير قابلة للتعديل، بل أنّ بعض موادها قابلة للنسخ، أي لكفّ عملها من لدن مواد أخرى. هذا صحيح أيضاً وأيضاً. لكن ما هو غير صحيح ولا صحيّ ولا دستوريّ بالمرّة هو الخلط بين المنطق الدستوريّ من حيث هو منطق تأسيسيّ دائم تنبثق عنه المؤسسات الدستوريّة وبين المنطق اللادستوريّ بإمتياز الذي يبتدع "دساتير مؤقّتة".
الدساتير المحتسبة "مؤقّتة" سلفاً هي تلك الدساتير التي قامت تجربتها في المنطقة العربيّة على وقع الإنقلابات العسكريّة الجمهوريّة. الدستور المؤقّت هو الدستور المرهون بحال الطوارئ أو بحال الإستثناء، وغير المرتبط بسلطة تأسيسيّة والتي لا تنبثق عنه مؤسسات دستوريّة. هو غير قادر على إسباغ الشرعيّة على الحكم الإنقلابيّ الذي يأتي به، وكل ما يفعله هو إضافة شكليّة أو رمزيّة على طريق تسويغ هذا الحكم الإنقلابيّ المفتقر إلى الشرعيّة التأسيسيّة اللازمة وإلى الأهليّة المؤسّسية الضروريّة.
وحده الدستور اللبنانيّ من بين كل دساتير الجمهوريّات العربيّة لم يكن دستوراً "مؤقتاً" لا قبل الطائف ولا بعده. ولأن دستور ما بعد الطائف ليس بـ"دستور مؤقّت" لزم أن تكون القراءة التطبيقية له دستوريّة بإمتياز، أي تنطلق من حيث يعيّن الدستور شكل الفصل والتعاون بين السلطات المعمول به في لبنان، إنطلاقاً من كون لبنان ديموقراطيّة برلمانيّة. بالتالي فهو يعيّن شكلاً يُفترض فيه الثبات والإستمراريّة.
أمّا القراءة المغلوطة للدستور، لأي دستور، أي القراءة التي تمسخه "دستوراً مؤقّتاً"، فهي تلك القراءة التي لا تنطلق من لحظ شكل الفصل والتعاون بين السلطات، وإنّما تبحث في هذا الدستور، أو في التقليد التفسيريّ الملازم لصدوره، عمّا يمكن تسميته "مواد تعطيليّة" للفصل والتعاون بين السلطات.
وهكذا، فإنّ المسلك التعطيليّ الذي اتخذ أشكالاً عدّة في السنوات الأخيرة في لبنان، إنّما يجمعه في كلّ مرة التعامل مع الدستور اللبنانيّ على أنّه "دستور مؤقّت"، أي إنّه دستور "مرحلة إنتقاليّة"، وكلّ ما فيه "مواد إنتقاليّة" يمكن تعليق أيّ منها والتترّس وراء أيّ منها، بحسب ما يقرّره الطرف الأقوى أمنيّاً، وليس الطرف الأقوى تمثيلاً، أو الأقوى حجّة.
الدستور "غير المؤقّت" هو الذي يقيم حجّية الفصل والتعاون بين السلطات في لبنان على أساس محوريّة المناصفة الإسلاميّة المسيحيّة كأساس الميثاق الكيانيّ بين اللبنانيين.
أمّا الدستور "المؤقت" على ما يتصوّره أهل الممانعة فإنّه يبقى مرهوناً تفسيره بلزوميات دستور لم يأت بعد، دستور "الجمهوريّة الثالثة" المبهمة. وبناء عليه، يجري تأوّل الدستور الحالي على نحو يوحي بالإبهام ويفيد التعطيل، بما أنّ الغاية هي "جمهورية ثالثة" تقوم على التعطيل.
لأجل ذلك، فإنّ مهمّة الحركة الإستقلاليّة اليوم أكثر من أي وقت مضى هي أن تتحوّل بكلّيتها إلى حركة دستوريّة، ليس بمعنى رفض أي تطوير في الصيغة الدستوريّة الحاليّة وإنّما رفض أي تعطيل أو إلتفاف حول هذه الصيغة على أساس ذهنيّة "الدستور المؤقّت" و"المرحلة الإنتقاليّة" التي يكون هدفها إلغاء المناصفة الإسلاميّة المسيحيّة وليس تثبيتها.
وإذا ما جرت المماهاة بين أن تكون استقلالياً وبين أن تكون دستوريّاً في لبنان اليوم، فمعنى ذلك أنّ كلّ من ينظر إلى الدستور الحاليّ على أنّه "دستور مؤقّت" ليس بإستقلاليّ، وأنّ كل من ينظر إلى المناصفة الإسلاميّة المسيحيّة بإعتبارها مؤقّتة ليس بميثاقيّ، وإذا كان من تعريف ممكن لـ"الطائفيّة السياسيّة" المذمومة فهي الخروج عن الميثاق. "الطائفيّ" الذي ينبغي إلغاؤه هو الطائفيّ الذي لا يعترف بوجوب المناصفة الإسلاميّة المسيحيّة والذي يعمل على تقويضها. وبعكسه، فإن التعريف الوحيد الممكن لـ"اللاطائفيّ" هو من يعمل على تثبيت المناصفة الإسلاميّة المسيحيّة بجعلها أساساً ميثاقيّاً كيانيّاً بإمتياز، وتطوير الممارسة الدستوريّة للفصل والتكامل بين السلطات في فيء هذه المناصفة.
