أحب السنيورة!
فؤاد السنيورة. الرئيس السنيورة. هكذا يحلو لي دائما ان اناديه وان دخل في خانة رؤساء الحكومات السابقة. الرجل اللطيف الهادئ السمات لم يكن يوما بالهدوء المحسوب عليه. انما بالقوة غير المتوقعة من الهادئ. لا يهمني ما يلصقه به من اتهامات جماعة ميشال عون وسواهم من "المتبصرين" في شؤون السياسة والاقتصاد. المهم ان الرجل وعلى مدى ولايتين متتاليتين في رئاسة الحكومة، مارس دولة الرئيس أصعب أصعب مهامه على الاطلاق التي يواجهها رئيس حكومة منذ عهد الاستقلال الاول حتى الان .(اذا اخذنا في الاعتبار ان هناك استقلالا).
أذكره تماما حين كانت جحافل "حزب الله" والقائد تيمورلنك يمارسون فعل المقاومة وسط بيروت سعيا لتطهيرها وتحريرها من "شارون" السراي الكبير، بمباركة حاكم مجلس النواب "العادل" الذي أحكم اقفال المجلس انذاك تنفيذا لعدالته .
أذكر دولة الرئيس السنيورة وهو يقف وسط مناصريه، وبابتسامة مفرطة في الهدوء يعلن مقاومته السلمية لاحتلال المدينة ولكل المخلّين بامن البلاد وبكرامته، من دون أن يزلّ لسانه ولو لمرة بعبارة قاسية او نابية. سلاحه فقط تلك البسمة العميقة الابعاد، بسمة لا أعرف لماذا تنقلني الى وجه ذاك الهندي الشهير المقاوم للاحتلال البريطاني ومحرر بلاده، وأقصد المهاتما غاندي.
بالطبع سيحتجّ كثر من "المقاومين" من هناك وهنالك من الاحزاب المعورضة في استقلال الوطن على هذا التشبيه، وخصوصا هؤلاء المنتفعين في وزارة المال الذين وُظفوا ايام كان السنيورة وزيرا للمال ورغم ذلك يكيلون له الشتائم يوميا على عدد الساعات. في حين تمتد اياديهم الطويلة الى غلال الوزارة على عدد ساعات اليوم الى درجة ان اخبارهم اصبحت سيرة شعبية على لسان المواطنين اذ يطلق عليهم لقب "سرّاقين المالية". بينما يتفرد تحديدا مناصرو عون بكيل الدعوات على السنيورة محملين اياه وزر الدين العام في البلاد، والدمار الناتج عن حرب تموز العظيمة، ودمار حرب الـ 14، والازمة المالية العالمية، وازمة العونسة لدى اللبنانيات وووو… ودولة الرئيس يواجه كل ذلك بالبسمة اياها التي لا يعرف ابعادها الا هو نفسه.
شخصيا لا يهمني الامر فالعادة اصبحت في لبنان انه عندما يغضب شخص جماعة "8 اذار" يعني ان الامر ايجابي للبنان. لكن لماذا الحديث عن الرجل الان وسط كل هذه الملفات؟ او لعله يجب تغيير صيغة السؤال: هل لان الملفات الصعبة تحضر عندما نذكر الرجل وتحضر مواقفه التاريخية في عز الازمات؟ والغريب، وبما ان الشيء بالشيء يذكر، لا يمكن الا نذكر كيفية معالجته لمضمون البيان الوزاري في ولايته الثانية وكيف واجه الوزراء انذاك صعوبة بالغة في صياغته بسبب اعتراض السنيورة وحرصه على الا يستفز البيان الطرف الاخر والا يتعارض مع مصلحة الدولة العليا، في حين تبدو الامور الان اكثر سهولة رغم اعتراض "القوات اللبنانية" و"الكتائب" بشكل خاص على شرعنة سلاح "حزب الله"، وخصوصا وتحديدا وتزامنا، بعدما نطّت فجأة الطائفية السياسية من سبات الايام لتتصدر من جديد قائمة المطالب، وتحديدا – وللمرة الثانية – عبر اكثر المتحمسين دائما رئيس مجلس النواب الذي انتبه فجأة الى ان الغاء الطائفية السياسية سينقذ لبنان!!
سبحان الله كيف تهب النخوات الوطنية فجأة، ويتزامن الوحي ويبدأ الجميع بالعزف والرقص على نغمة واحدة موحدة في موضوع الطائفية السياسية، التي اقتحمت "رومانسية" المناقشات فاحتلت المركز الاول في محاولة لاقصاء الاستراتيجية الدفاعية الى مواكب النسيان.
طبعا القصة مكشوفة وأكثر من مكشوفة، المهم من يجيد القراءة بين السطور والمواقف. هنا هنا تماما تحضر هيبة الرئيس السنيورة. هنا أبحث عن الرجل وأشتاق الى تلك الهيبة غير المصطنعة، غير المستندة الى المواقف التصعيدية الفارغة، الى رجل الدولة من الطراز الرفيع… شو بدنا بالحكي، أحب هذا الرجل. الوحيد الذي عن جدّ أحب. أجد فيه صورة حقيقية لأب اللبنانيين، صورة لم أجدها بعد لا في رئيس حكومة ولا في رئيس جمهورية منذ ما لا يقل عن عشرة أعوام.
كتبت مرة أحب بوش لانه حررنا من السوريين. أكتب الان أحب السنيورة لانه حررنا من أشياء ليست جميلة في داخلنا، من عقدة التذكر مثلا بأنه سنّي ونحن موارنة، لدرجة الالتباس احيانا بسبب مواقفه الوطنية، وذكّرنا دائما على مدى تاريخه السياسي، انه عن جدّ لبناني وبعد الكلمة كل ما يلي مجرد تفاصيل.
دولة الرئيس فؤاد السنيورة، وان كنت ما زلت مشرعا في مجلس النواب، سنشتاق كثيرا اليك هناك، كمقاوم في السراي الكبير أيها الكبير.