البيان الوزاري استشعر هواجس المواطنين وأحيا الأمل بتقوية الدولة
تلبية حاجات النّاس الملحّة منطلق أساس لنجاح الحكومة في مهماتها
<وضع البيان الوزاري مطالب النّاس في مرتبة موازية أو متقدمة على مسألة تقوية سلطة الدولة وهذه هي المرة الأولى>
للوهلة الأولى، يعبّر البيان الوزاري لأي حكومة كانت عن رؤية رئيسها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويأخذ بعين الاعتبار مطالب محددة لسائر الأطراف المشاركين فيها، في حين تتصدر حاجات المواطنين الحياتية والاجتماعية معظم فقرات البيانات السابقة، ولكن قلما التزمت أي حكومة بتنفيذ ما ورد في بيانها الوزاري باستثناء القليل منها، إما لعجزها عن القيام بذلك لاعتبارات وظروف قاهرة كما كانت الحال عليه إبان الوجود العسكري السوري في لبنان، أو لافتقار الحكومة إلى القدرة على توفير المستلزمات المادية المطلوبة لتنفيذ الخطط والبرامج الإنمائية والالتزامات التي ضمنتها لبيانها الوزاري، أو لأسباب أخرى.
وكانت الاعتراضات والمعارضة لسياسة أي حكومة، تنطلق من مساءلتها عن أسباب عدم تنفيذ ما ورد في بيانها الوزاري، باعتباره امراً ملزماً لها وحقاً للمواطنين عليها، ومن ثم تتدرج الاعتراضات وتزداد حدّة لتصوّب على مسائل وقضايا خارجة عن سياق البيان تسعى المعارضة لاستهداف الحكومة من خلالها والنيل منها، تمهيداً لاضعافها والتأثير عليها أمام المواطنين.
هذه المرة، انكبت الحكومة على وضع بيان وزاري يختلف عن سائر البيانات السابقة، كونه يضم في صدارة اهتماماته مسألة أساسية ومهمة تتعلق بالرؤية الحكومية المطلوبة لتقوية الدولة كسلطة وكيان وما تمثله من تأثيرات تنسحب على تسهيل تنفيذ معظم خطط وبرامج الحكومة الواردة في البيان الوزاري في المرحلة المقبلة، لأنه من دون وجود الدولة كسلطة في حدودها المعقولة، لا يمكن لأي حكومة مهما كانت متجانسة ووفاقية أن تمارس مهماتها وتلبي حاجات المواطنين ومطالبهم، وبالتالي ستتعثر مسيرتها وتبقى عاجزة عن الايفاء بوعودها والتزاماتها.
ولا يقتصر تميّز البيان الوزاري للحكومة الحالية – كما كشف عن بعض نقاطه وزير الإعلام طارق متري – على مسألة تقوية سلطة الدولة، بل وضع مطالب وحاجات اللبنانيين الملحة في مرتبة موازية او تكاد تكون متقدمة عليها، وقد تكون المرة الأولى التي تحظى فيها هذه المطالب بمثل هذه المرتبة في البيان الوزاري للحكومة، خلافاً لسائر القضايا والملفات السياسية التي كانت تتقدم على ما عداها من خطط وبرامج وأولويات، لا سيما الملفات الخلافية التي تشغل بال اللبنانيين وتؤدي إلى تباينات ومشاحنات في ما بينهم كمسألة سلاح حزب الله وإلغاء الطائفية السياسية وما شابه، لأن مطالب وحاجات النّاس الملحة والضرورية من الدولة لم تعد تحتمل التأخير او الإرجاء هذه المرة كما كان يحدث في معظم الأحيان لانتفاء المبررات والذرائع بعد تشكيل الحكومة الوفاقية الحالية، بل يتطلب الأمر وضعها في صدارة الاهتمامات والأولويات والعمل بأقصى سرعة للبدء بتنفيذها كقضية تأمين التيار الكهربائي، هذه القضية التي لم تعد تحتمل الإبقاء عليها كما هي عليه أو التهاون في وضعها على نار حامية من الحلول، نظراً لتداعياتها السلبية، ليس على حياة المواطنين العادية، بل على الدورة الاقتصادية العامة وعلى وضعية لبنان كدولة في المنطقة والعالم.
لا شك في أن ما أُعلن عن بعض الخطوط العريضة لمشروع بيان الحكومة المرتقب إنما يُشكّل قفزة نوعية في ممارسة السلطة وإدارة شؤون البلاد، بعقلية منفتحة تلامس هواجس اللبنانيين ومخاوفهم مما أصاب الدولة ومؤسساتها من وهن واستنكاف عن القيام بدورها وممارسة صلاحياتها وسلطاتها الدستورية من جرّاء ما عصف بها من احداث وتطورات في السنوات الماضية، وتسعى في المقابل لإعادة إحياء الأمل بعزمها على إعادة النهوض بكل مكونات الدولة، لإبعاد مكامن اليأس والإحباط التي تكونت في نفوس اللبنانيين من جرّاء ما حصل سابقاً، مع اظهار كل النوايا الجدية والعزم القوي لمقاربة متطورة لحاجات النّاس ومطالبهم الضرورية، ورسم معالم مستقبل متفائل للبنان في المرحلة المقبلة، بالرغم من كل بوادر التحديات والصعوبات التي تلوح في الوضع الإقليمي حالياً.
ومع الانتهاء من مرحلة وضع المسودة النهائية لمشروع البيان الوزاري بكل تعقيداتها وصعوبتها، ينتقل الاهتمام إلى مرحلة ما بعد إقرار البيان ووضع مضمونه في سلم أولويات الحكومة العتيدة، ومعرفة ما إذا كان تنفيذ هذه الأولويات التي تهم كل النّاس من دون تفرقة أو تمييز متيسراً في المرحلة المقبلة وهو ما يأمله أكثر اللبنانيين ويعولون على تحقيقه في ضوء إعلان كل الأطراف السياسيين استعدادهم للتعاون وتسريع انطلاقة الحكومة الجديدة في مهماتها، أم سيكون نصيب كل ملف خدماتي ومطلبي ملف من نوع آخر، وهذا ما ستكشفه المرحلة المقبلة والعبرة تبقى في تنفيذ الوعود وليس إطلاقها فقط.