الفصل الرابع: هكذا يتأرجح بكم بين السورنة والجمهورية الاسلامية.. فهلاّ تستفيقون؟؟
كم كانت صعبة تلك اللحظات التي إتخذت فيها قراري بالابتعاد شيئا" فشيئا" عن ميشال عون، لأنني اعتبرت طالما أنا قريب فلن أتمكّن من رؤية الحقيقة، ولكن وصلت الأمور الى حدّ اعتبرت استمراري بلعب دور المصفّق والموافق دائما" يهدّ من عزيمتي ويحطّ من كرامتي.
وصحيح ما أسمعه أحيانا" من أشخاص يطرحون تساؤلا مفاده: هل من المعقول أن تستمر واحدا وعشرين سنة من دون أن تكتشف أو أن ترى الحقيقة؟
الأهمّ أنني إكتشفت وزال الغبار عن ناظريّ، الأهم أنني تحررت من عقدة أنه الزعيم الوحيد الذي لم تتلوّث يداه لا بالدم ولا بالمال.. ولكن هيهات.. لو تعلمون ماذا فعل؟ هيهات لو تعلمون مدى تورطه؟ هيهات لو تراجعون تاريخه.. ستكتشفون وستجدون أكبر خديعة في تاريخنا المعاصر.
أمّا قمة الانحراف السياسي، وذروة الخديعة، ما تبدّى للجميع عن موقعية عون وارتباطاته المزمنة إن مع السوريين أو حتّى مع حزب الله.. ولا بدّ هنا من إستذكار محطات علّها تجعلكم تتعرفون على ما آلَ الينا، وما علمناه من خلال تجربتنا الطويلة، علّها تقدّم لبعض اللبناينين درسا" فيستفيقون من كبوتهم.
ولعلّ الخطأ الأكبر الذي يقع فيه كثيرون لدى توصيفهم لميشال عون، وكيف أنه إنقلب على المبادئ، وكيف أنه تحوّل من العداء المطلق لسوريا الى مصدّر صكوك براءة مدافعا" عن تجربتها في لبنان. نعم، استعملت نفس العبارة التي استعملها عون في صياغة وثيقة التفاهم مع حزب الله، حيث قالوا عن الاحتلال السوري للبنان طوال فترة ثلاثين سنة "التجربة السورية".. اذا"، قائد حرب التحرير ضدّ سوريا، لم يكن يوما" ضدّها لا بل على العكس، كان من تلامذتها، وهذا الكلام ينطبق عليه منذ أن كان ضابطا" يافعا"، ولعلّ ما كتبه النقيب فؤاد عوض في مذكراته يوم كان مسجونا" بحكم صدر عليه وعلى بعض رفاقه ممن حاولوا القيام بانقلاب عسكري زمن الرئيس فؤاد شهاب.
وهنا أنقل هذه الرواية، وعلى القارئ مهمة التحليل والاستنباط ليكتشف وحده حقيقة عون لناحية ميوله وتوجهاته وتطلعاته السياسية والقومية.
يقول النقيب الراحل فؤاد عوض أنهم عندما كانوا في السجن، كان من عداد السجاّنين ضابطين هما الملازم أول سامي الخطيب والملازم ميشال عون. الأول، أي الخطيب كان شديد المعاملة بحيث كان دائم القسوة عليهم، بينما الملازم ميشال عون كان متعاطفا" معنا، حتّى أنه كان في بعض الأحيان ينقل لنا رسائل من السجن الى الخارج، والخارج طبعا" كان في أغلب الظنّ قيادة القوميين السوريين الذين كانوا وقتذاك ملاحَقين من قبل الدولة وأجهزتها وعلى رأسها الشعبة الثانية أي مخابرات الجيش.
هذه الرواية يكاد يكون مضى عليها خمسون عاما"، ولكن وعلى طريقة المثل اللبناني مَنْ شبّ على شيء شاب عليه.. أمّا خطأنا نحن، الذين صدّقناه، كيف أننا لم نكتشف ميوله السورية هذه، رغم من أننا وخلال حرب الالغاء، ويوم كانت الشرقية محاصرة، كانت القوات السورية وحلفاؤها من حزب الله وقوميين سوريين يمررون لنا الذخائر والاسلحة والمواد النفطية والخبز.. نعم كانت تحصل هذه الأمور هكذا على المفضوح و"علــى عيـنك يا تاجر"… وكنّا شركاء، ولكن لماذا لم نكتشف ماذا كان يخبئ ميشال عون؟ جوابي بكلّ صراحة ومن دون مواربة، كمية الحقد التي زرعها عون وتعبئة شارعنا ضدّ "القوات" كانت دافعا" لا بل حافزا" لنتقبّل "القرود السود".. ولا نقبل بالقوات اللبنانية.
وسيكون لي معكم في الحلقات القادمة شهادة واضحة حول معرفتي بالقوات اللبنانية، وتعرّفي على شخصية سمير جعجع، وكما أقول دائما": " أقوى شي بالدني اللي ما بدو شي" ، لذلك سأشهد لاحقا" لبعض خفايا وخبايا ما آلَ إليّ في السنوات الثلاث الأخيرة.
وبالعودة الى حجم الخطورة التي كرّسها عون في الوسط المسيحي، والتي لم تعد مجرد حالة سياسية نختلف معها في الرأي والتوجه والمنهج، هي تحوّلت الى حدّ زوال مجتمع وتهديد ديمومته.. هي وصلت الى مرحلة باتت تستوجب عملية قيصرية، لإنقاذ الأمّ والجنين.. هكذا هم العونيون اليوم، هي في خطر وهم الخطر في آن، اذا ما استمروا بعملية نحر ذاتهم وانتحارهم طوعيا"، خاصة وأنهم وقعوا في شباك التخدير الى حدّ التنويم المغناطيسي، وعليه، يمكن القول أنّ هؤلاء فقدوا حرية إرادتهم، وعطلّــوا حركية دماغهم وتحديدا" ناحية حرية الرأي والفكر والمنطق.. واليوم أجد نفسي مضطرا" عن قصد الى إثارة بعض من جوانب الاتجاه المعاكس لطبيعة تاريخنا وأصول جذورنا والتي يلعب عون دور محطّم التاريخ المجيد واستبداله بالسورنة التي هي أخطر بكثير من دور الجمهورية الاسلامية الايرانية عبر حزب الله ودوره التحطيمي لميثاقية طريقة عيْش اللبنانيين منذ عقود.
هــــل تــعــــلـــمـــون يــــا عــــونـــيــون مــاذا فــعــل بــــنــا حــزب اللـــــه يــوم 13 تشـريـن الأول 1990 ؟
بـــــــداية، لا بدّ من تذكيركم، خاصة وأنّ معظمكم لم يكن في ذاك الوقت معنا في الحركة العونية، كون عونيو هذا الزمن بمعظمهم دخلاء، من دون أن نتجاهل وجود الرفاق الأوائل الذين لهم الفضل الكبير والذين ناضلوا حقا". لهؤلاء قال عون أنتم فاشلون ولا يوجد من عدادكم كفاءات وطاقات لذلك إضطر الأخ العزيز الإتيان بوزير قومي سوري وآخر شيوعي ماركسي.. أمّا البقية المتبقية فلتتقدّم بطلب توزير يتضمن السيرة الذاتية لكلّ طالب وزارة.
اذا" لا بدّ من التذكير بما كان دور العناصر التابعة للسيد الياس حبيقة، التي دخلت علينا صباح ذاك اليوم التشريني المشؤوم.. ومَن منكم لا يعلم، بإمكانه سؤال الجنرال عون عن هؤلاء الذين صاروا عونيين.. ولأننا نتناول في كلامنا مآثر حزب الله ودوره يوم الاجتياح السوري، نورد بعض التفاصيل:
1ـ أيام قليلة سبقت حصول الاجتياح، أعدّ حزب الله المقرّ المركزي لإدارة عمليات الاجتياح السوري، وهو إحدى صالات السينما القديمة، في منطقة حارة حريك.. حيث اشترك الجيش السوري وعناصر الحزب في الإعداد والتخطيط لتفاصيل الهجوم من المناطق التابعة ميدانيا" لميليشيا حزب الله. والهدف الأساسي لدور حزب الله المطلوب منه إنحصر بأن يمنع عناصر هذا الحزب أيّ محاولات محتملة لمقاومة شعبية قد يواجهها الجيش السوري من قبل أهالي المناطق المسيحية.
2 ـ بعد أن أعلن الجنرال عون بيانه من السفارة الفرنسية متنازلا" عن القيادة للضابط اميل لحود الذي تمّ تعيينه قائدا" للجيش، وبعد أن احتل الجيش السوري وزارة الدفاع الوطني والقصر الجمهوري، وبعد قيام هذا الجيش طبعا" بارتكاب أبشع المجازر من إعدامات للضباط والجنود وإعدامه لثلاثة عشر مواطنا" مدنيا" في بلدة بسوس، ومن دون أن ننسى السرقات وعمليات التخريب والنهب…
في هذا الوقت بدأت عناصر مسلحة من حزب الله بالدخول الى المناطق المسيحية المتاخمة للضاحية الجنوبية المعقل الأساس للحزب.. حيث وصل هؤلاء الى الحدث وغاليري سمعان وكفرشيما وبعبدا والشياح… فأقاموا حواجز واعتقلوا بعض المواطنين، وبشهادات لأهالي المنطقة، أدلوا بها حول قيام المسلحين بنهب البيوت وسرقة المحلات التجارية والسيارات. وقد حصل اصطدام مسلّح بينهم وبين بعض الشباب المنتمين الى السيد الياس حبيقة كونهم مسيحيون ولم يتمكنوا من لجم أنفسهم بعدما شاهدوا بأمّ العين التصرفات الشاذة التي تحصل بحق أهلهم وأبناء منطقتهم.
في الحلقة المقبلة: المشروع الحـقيـقي لـحزب الله في لبنان !!







