تحفظ وزيرين لا يعني في المقابل إجماعاً على مفهوم مناقض للسيادة
الكلام على " تشريع" المقاومة يحمل مبالغة ويرتّب محاذير على لبنان
ساهم تحفظ الوزيرين بطرس حرب وسليم الصايغ عن بند "المقاومة" في البيان الوزاري في اذكاء اتجاهات عدة يعتبر بعضهم انها غير صحيحة في معظمها، أقله وفق التفسيرات والاجتهادات التي اخضع لها هذا التحفظ. فالكلام على "تشريع" المقاومة مبالغ فيه ومن غير مصلحة لبنان هذا التفسير لانه ملتزم القرار الدولي الرقم 1701 الذي يحصر سلطة الدولة اللبنانية ومرجعيتها على كل اراضيها في قواها المسلحة.
ولا يخدم لبنان الكلام على" تشريع" المقاومة امام الخارج ولا سيما في وجه اسرائيل التي دأب المسؤولون فيها أخيراً في تكرار تحميل لبنان باسره تبعة اي عمل عسكري يقوم به "حزب الله"، في حين ان لبنان يواجه تحدياً امام المجتمع الدولي، خصوصا بعدما بات عضوا غير دائم في مجلس الامن الدولي للسنتين المقبلتين. وحتى حين يقفز لبنان فوق القرار 1559 الذي تتضمن بنوده حل كل الميليشيات المسلحة ويتم مجاراته دوليا في ذلك حرصا على سلمه الاهلي، وبشرط تمثل في احالة سلاح "حزب الله" على طاولة الحوار، فان هذا لا يتيح له "تشريع" عمل الحزب في المقاومة أو الايحاء بذلك في اي شكل تحت طائل مواجهة المجتمع الدولي وضغوطه في هذا الاطار. ويبدو ضروريا ومهما جدا بالنسبة الى الحكومة اللبنانية التي ينتظر الخارج اقرار بيانها الوزاري ونيلها الثقة من اجل التعامل معها على اساسه أن توضح هذه النقاط. فما تناقلته وسائل الأنباء الخارجية على اثر انهاء لجنة صياغة البيان الوزاري عملها وإعلانها التوافق في شأنه هو ان الحكومة اللبنانية "شرعت" المقاومة، ولذلك عليها توضيح ما اذا قامت بذلك أم لا، وهذا الأمر لا قدرة للبنان على تحمله وينطوي على أخطار كبيرة، فضلا عن عدم صحته في المطلق وعدم دقته ايضا. اذ ان ما تم الاتفاق عليه في البيان الوزاري وفق مصادر سياسية معنية لم يكن تشريعا، بل اقرار بوجود واقع قائم لا يمكن إنكاره، ويمكن الدولة اللبنانية استخدامه انما تحت مرجعيتها إذ ان الحق يعود لها على نحو مطلق وليس اعطاء الحق لأي أحد آخر. وهذه النقاط معبر عنها في مجموعة عبارات تؤدي الى الآتي:
ان اللبنانيين غير متفقين على موضوع سلاح "حزب الله" والا لما كان التأكيد على "العمل من اجل توحيد موقف اللبنانيين من خلال الاتفاق على استراتيجية وطنية شاملة لحمايته تقر في الحوار الوطني".
– ان مرجعية الدولة حصرية، وهي الاساس "ويكون هذا المبدأ ناظما لتوجهاتها وقراراتها والتزاماتها".
– ان للبنان الحق في تحصيل حقوقه واستخدام كل العناصر بمن فيها الشعب والجيش والمقاومة تحت مرجعية الدولة وحدها.
فالفقرتان المتعلقتان بموضوع سلطة الدولة وسيادتها وموضوع سلاح "حزب الله" هما تعبير واضح عن وجود خلاف كبير في البلاد حول موضوع المقاومة، في حين يرى بعضهم في الغموض "البناء" امكانا لتفسير نص البيان الوزاري، كل حسب ما يرغب.
لكن المغزى مما تم ايراده في البيان بحسب مصادر سياسية معنية هو ان"وحدة الدولة وسلطتها ومرجعيتها الحصرية" تعني ان اي امر اخر بما فيه حق لبنان نفسه في ممارسة اي عمل انما يمر عبراحترام مفهوم السيادة، وان الدولة تمارس سلطة مستقلة لا تعطيها لأحد، وهي المرجعية التي تقرر ان تستخدم الوسائل التي تراها مناسبة من اجل الدفاع عن ارضها وسيادتها. وبعضهم لم يستوعب هذه النقطة وفق المصادر نفسها بل تعاطى والموضوع كأن ثمة كسبا محليا علما ان كثرا كانوا يفضلون الا تذكر هذه النقطة وأن ترَّحل فورا الى طاولة الحوار، في حين يرى كثر ان طاولة الحوار باتت كفخ من أجل ضمان إبقاء السلاح وليس استيعابه من ضمن الدولة.
ومع تحفظ مسيحيي قوى 14 اذار عن هذه النقاط، بدا كأن هناك اجماعا على تفسير آخر لمضمون البيان وفق هذه الصيغة، عدا وزيرين يمثلان ما يمثلان، في حين ان واقع الامور ليس كذلك، وان كان احد لن يدخل في جدل او تفسير لهذه المواقف تحت طائل اثارة جدل سياسي تبدو البلاد في غنى عنه. لكن واقع الامور ان ابتعاد النائب وليد جنبلاط عن قوى 14 اذار وتحفظ مسيحيي هذه القوى جعلا الامور تبدو كأن ثمة فريقا ثالثا من ضمن هذه القوى بات وسطيا ويتمثل في رئيس الحكومة سعد الحريري و"تيار المستقبل". ولكن على رغم التمايز الذي بات عليه موقف جنبلاط فانه يجاهر بضرورة الهدنة بين لبنان واسرائيل، وله وجهة نظره الخاصة التي لا تصب في خانة "تشريع" المقاومة في المطلق وفق ما يعتبره بعضهم وان كان يطيب لهؤلاء تصنيفه من ضمن هذه الخانة. ومسيحيو قوى 14 اذار ليسوا بعيدين في الواقع عما يؤمن به "تيار المستقبل" في هذا الاطار باعتبار انه لم يبدل رأيه، والجميع لا يزالون في الموقع نفسه من هذا الموضوع، ولو ان اجماعا نشأ في لجنة صياغة البيان باستثناء وزيرين اثنين لما كانت ثمة حاجة الى بذل جهد في اقتراح كل الصيغ الضرورية توصلا الى التعابير التي تلائم ما يرغب لبنان في التعبير عنه وتبنيه. فهناك فارق كبير بين المبدأ في استخدام لبنان ما يحتاج اليه للدفاع عن سيادته واراضيه وبين دعم "حزب الله" ليختار مواجهة اسرائيل ساعة يشاء، ووفق المعايير او الظروف التي يراها ملائمة لحساباته.
وهذا التحديد للامور ضروري وواجب، وان يكن لا احد يرغب في الدخول في سجال بلا جدوى في المرحلة الحالية، لكن البديل من الفقرتين اللتين وردتا في البيان الوزاري كان بحسب بعضهم اما عدم ذكر الموضوع في المطلق باعتباره الموضوع الوحيد في جدول اعمال طاولة الحوار، وإما الذهاب الى احتمالات من نوع: هل ان السلاح الذي في يد " حزب الله" شرعي او غير شرعي؟ علماً ان طرح السؤال غير ممكن في السياق السياسي الراهن.