هل من تقاطع في ولاية "اليونيفيل" بين القرارين 1701 و1559؟
حدد مرجعان من القرارات الصادرة عن مجلس الأمن مهمة قوات "اليونيفيل" وولايتها، ويشتمل هذان المرجعان على القرارين رقم 425 و426 الصادرين في العام 1978، والقرار 1701 الصادر في العام 2006. أنشأ مجلس الأمن بموجب القرارين 425 و426 قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام في جنوب لبنان (يونيفيل) إثر الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1978. وقد عزز القرار 1701 ولاية "اليونيفيل" عقب الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان في تموز من العام 2006. فما الغاية إذاً من إصدار القرار رقم 1559؟ ما هي العلاقة بين القرار الأخير ومسألة "اليونيفيل"؟ هل ثمة دور حقيقي لـ"اليونيفيل" في القرار1559؟
إن لم نجد أولياً أي رابط وثيق أو علاقة سبب ونتيجة بين القرار 1559 وقوات "اليونيفيل"، إلاّ أن أمين عام الأمم المتحدة لا يكف عن استرجاع أحكام تتعلق بالقرار 1701 في تقاريره حول تنفيذ القرار 1559. في المقابل، يستذكر الأحكام المتعلقة بالقرار 1559 في تقاريره حول تنفيذ القرار 1701.
فضلاً عن ذلك، يذكر مجلس الأمن في مقدمة القرار 1559 القرارات المحددة المتعلقة بـ"اليونيفيل" (القرارات 425 و426 و1553). وقد تم صراحةً ذكر القرار 1559 في نص القرار رقم 1701.
في هذه الحالة، هل يكفي أن نرجع إلى هذه الوثيقة أو تلك كي نستنتج ما إذا كان يوجد صلة بينهما أو بين "اليونيفيل" والقرار 1559؟ أو ثمة توجيه أكثر إستراتيجية يشتمل على نتائج سياسية وقانونية على مستوى المهمة التي يتوجب على "اليونيفيل" أن تتوصل إليها؟
بغية تفصيل مسألة العلاقة المعقدة بين القرارين 1701 و1559، ينبغي، في المقام الأول، التحقق من الدفع الجديد الذي ساهم به القرار 1701 في ما يخص ولاية "اليونيفيل"، مقارنةً مع القرارين 425 و426 السابقين. هذا الأمر يتيح لنا، في المقام الثاني، تحديد النقاط المشتركة بين القرارين 1559 و1701 من خلال تقويم الأحكام التي سبق أن تم تطبيقها وتلك التي لم تطبق بعد. يقودنا هذا التحليل في النهاية إلى دراسة التوجيهات الإستراتيجية في مهمة "اليونيفيل" التي نستطيع استنتاجها من هذه المقاربة المقارنة.
-1 قوات "اليونيفيل" والتعزيز السياسي والقانوني لولايتها
على الرغم من أن الهدف العام من مهمة قوات "اليونيفيل 1 و2" على حد سواء هو المحافظة على سيادة لبنان وسلامته الإقليمية داخل حدوده المعترف بها دولياً، إلا أن وسائل تحقيق هذا الهدف تختلف بشكل أساسي بين 1978 و2006.
في الواقع، تبنى مجلس الأمن القرارين 425 و426 في إطار لم تكن فيه الأوضاع الوطنية في لبنان وفي منطقة الشرق الأوسط مواتية لفرض سلطة الحكومة اللبنانية على "كافة" الأراضي اللبنانية.
ولكن، من الآن فصاعداً الوضع مختلف تماماً. إن القرار 1701 هو ثمرة توافق الإرادات السياسية على الصعيدين الدولي والوطني. فقبل أن نتوسع في شرح النقاط التي عززت ولاية قوات "اليونيفيل"، علينا أن نتأكد من أن أحد العناصر الحاسمة في هذا القرار هي الإرادة الواضحة التي تتمتع بها الحكومة اللبنانية "لبسط سيطرتها على أراضيها، بواسطة قواتها المسلحة الشرعية، بشكل يُمنع فيه أي مظهر عسكري من التواجد على الأرض من دون موافقة الحكومة اللبنانية وبشكل تُمنع فيه ممارسة أي سلطة أخرى غير سلطة الحكومة اللبنانية".
بالتالي، بعد مرور حوالى خمسة وثلاثين عاماً على غياب الجيش اللبناني في جنوب لبنان، تتكفل الحكومة اللبنانية بتأدية دورها الرئيسي على صعيد مراقبة الأراضي والحالة الأمنية، على أن تساعدها قوات "اليونيفيل" في هذه المهمة.
بناءً عليه، يقتضى التنويه بأن أول تغيير قد يطرأ بعد الآن على الوضع الأمني هو التالي: لا تتوقف مهمة "اليونيفيل" على مراقبة الأراضي، بل إنها تعمل إلى جانب الجيش اللبناني من خلال مواكبتها له في منطقة انتشارها (من جنوب نهر الليطاني حتى الخط الأزرق) هذا بالإضافة إلى مؤازرتها له.
في الواقع، تدور مهمة المؤازرة والدعم هذه حول محاور ثلاثة:
– رصد وقف الأعمال القتالية.
– مساعدة الجيش اللبناني على اتخاذ تدابير تهدف إلى إنشاء منطقة خالية من الأفراد المسلحين والمعدات والأسلحة بخلاف هؤلاء الذين قامت الحكومة اللبنانية وقوات "اليونيفيل" بنشرهم في المنطقة.
– مساعدة الحكومة اللبنانية على فرض سلطتها على الأراضي اللبنانية كافة.
لكل محور من هذه المحاور الثلاثة، توجد وسائل معززة تسمح لقوات "اليونيفيل" بإنجاز مهمتها بعزم. أضف الى ذلك وجود المعدات العسكرية العالية المستوى التي تحوزها، التركيبة الأوروبية الآسيوية التي تتألف منها وحدات "اليونيفيل" مع الإشارة إلى عددهم، وأخيراً فرقة العمل البحرية التابعة للقوة والبحرية اللبنانية، الرائدة في مجال عمليات حفظ السلام.
-2 مقاربة مقارنة بين القرارين 1559 و1701
يلتقي القراران 1559 و1701 عند نقطة رئيسة: ألا وهي عملية إعادة فرض السيادة اللبنانية وبسط سيطرة الحكومة ومراقبتها للأراضي اللبنانية كافة. يتدرّج القرار 1559 في سياق "جيل" جديد من الوثائق المتعلقة بالأمم المتحدة (قرارات وبيانات رئاسية وبيانات صحافية وتقارير صادرة عن الأمين العام) تهدف بشكل أساسي إلى تعزيز الجهود الوطنية والدولية في عملية إعادة بناء الدولة المفككة وبالتالي تعزيز السيادة اللبنانية. في هذا الإطار، يقارب القرار 1701 الحالة اللبنانية من خلال المجيء بعناصر جديدة تعمل على فض النزاعات "سلماً" بدلاً من الوسائل العسكرية والعنفية (النزاعات اللبنانية- الإسرائيلية والنزاعات اللبنانية- السورية).
– لقد تم تطبيق مختلف البنود المشتركة التي اعتمدت في كلتا الوثيقتين، باسم الإحترام وتعزيز السيادة على الأراضي اللبنانية، فضلاً عن الوحدة والإستقلال السياسي: وضع حد للأعمال العدائية، وانسحاب القوات السورية والجيش الإسرائيلي من لبنان وبسط الحكومة اللبنانية سيطرتها على الأراضي اللبنانية كافة.
– تم بالتساوي تطبيق مستلزمات أخرى محددة لكل قرار: سير العملية الإنتخابية الرئاسية في العام 2004، وتحرير السجناء اللبنانيين في إسرائيل، وتسليم الأسرى من الجنود الإسرائليين، وتسليم قوات "اليونيفيل" الخرائط الخاصة بالقنابل العنقودية التي خلفتها القوات الإسرائيلية خلال الحرب التي شنتها على لبنان في العام 2006، الإنتشار الكامل لقوات "اليونيفيل" لمؤازرة الجيش اللبناني في منطقة عملها، وعودة المهجرين إلى الجنوب اللبناني وأخيراً التزام "حزب الله" بعدم استخدام الجنوب اللبناني لأعمال قتالية ضد إسرائيل.
– في المقابل، لم يتم حتى الآن تطبيق بنود أخرى في كلا القرارين والتي تتألف من نقاط مشتركة: نزع سلاح الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، وعدم إنجاز تعزيز الإستقلال السياسي التام والسيادة على الأراضي اللبنانية. لا ننسى بأن إسرائيل هي، على الدوام، قوة تحتل جزءاً من الأراضي اللبنانية في الجنوب، لا تنفك طائراتها الحربية عن التحليق، وانتهاك السيادة اللبنانية، وتتدخل بطريقة غير شرعية في الشؤون اللبنانية الداخلية من خلال شبكات التجسس الخاصة بها إلخ… هاتان النقطتان (نزع السلاح وانتهاكات السيادة) تشكلان التحديات الكبرى التي تواجهها قوات "اليونيفيل" لإنجاز مهمتها على أكمل وجه، وفقاً للقرارات 425 و1559 و1701. لذلك، هل للمقارنة بين القرارين 1559 و1701 أن تفصح عن الفرص السياسية التي تحمل حلولاً لمعالجة موضوعي السيادة ونزع السلاح المطروحين للمناقشة؟
-3 النتائج الاستراتيجية للمقارنة بين القرارين 1559 و1701 بالنسبة لولاية "اليونيفيل"
الأمثولة الأولى التي يجب أن نستخلصها من المقاربة المقارنة بين القرارين 1559 و1701 هي أن التسوية التي يتم التوصل إليها بشأن أي نزاع له علاقة بنزع السلاح الذي بحوزة الميليشيات وفرض السيادة يجب أن تتم من الآن فصاعداً بطريقة سلمية. هذا المبدأ المذكور في القرار 1559، الذي بفضله أجبرت القوات السورية على الإنسحاب "سلماً" من الأراضي اللبنانية، تم تكريسه بواسطة القرار 1701 الذي بفضله تؤدي منظمة الأمم المتحدة، دور الوسيط في حل أي نزاع كان قائماً وما زال بين الأطراف المتناحرة.
نذكر مثالاً على ذلك، النزاعات التي تمّت معالجتها بشكل سلمي أو بناءً على أحد القرارات: عملية تبادل السجناء اللبنانيين في إسرائيل بالجنود الإسرائيلييين الأسرى في لبنان، وتسليم "اليونيفيل" خرائط الألغام، والمفاوضات الجارية بين "اليونيفيل" والجيش الإسرائيلي في ما يتعلق بالإنسحاب الإسرائيلي من قرية "الغجر" اللبنانية، والتوصل إلى تسوية بشأن مزارع شبعا بفضل مساعي الأمين العام للأمم المتحدة، والتسوية الفورية التي تقوم بها "اليونيفيل" لأي خرق للخط الأزرق الذي يفصل موقتاً الأراضي اللبنانية عن الأراضي الإسرائيلية وتسليم "اليونيفيل" الوثائق الخاصة بالقنابل العنقودية التي خلفتها القوات العسكرية الإسرائيلية في العام 2006.
في إطار الجيل الثالث من عمليات حفظ السلام، الأمثولة الثانية التي يجب علينا أن نستخلصها هي أن "اليونيفيل" تشارك بشكل فاعل في مساعدة الحكومة اللبنانية على بسط سيطرتها على أراضي الدولة كافة، والمذكورة في القرارين 1559 و1701. هذه المساعدة هي بالأحرى فاعلة في الحالات التي لا يتمكن فيها الجيش اللبناني من التحرك مباشرةً وعلى الفور، فـ"اليونيفيل" تتمتع بقدرة على اعتراض سبيل مشتبه بهم وتوقيفهم، ولها الحق، بموجب قواعد الإلتزام، بفتح النار في حال حصلت مواجهات.
أما الأمثولة الثالثة التي ينبغي علينا أن نستخلصها فتتعلق بمكانة "اليونيفيل" في مواجهة الحالة الإقليمية. إن التقارير الأخيرة التي أصدرها الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة في ما يتعلق بتطبيق القرارين 1559 و1701 تدعو الأطراف المتناحرة في النزاع اللبناني- الإسرائيلي والأطراف الإقليمية المعنية بالشأن اللبناني إلى تعزيز الإستقرار والحالة الأمنية الراهنة في البلاد.
يذكر القرار 1701 في الفقرة 18 أن التسوية الحاسمة للحالة الأمنية في لبنان المسجلة في الإطار الدولي، تهدف إلى صون السلم الدولي والعادل والمستدام في الشرق الأوسط، على أساس كل هذه القرارات ذات الصلة بما في ذلك القرار رقم 242 (1967) الصادر في 22 تشرين الثاني من العام 1967، والقرار رقم 338 (1973) الصادر في 22 تشرين الأول من العام 1973 والقرار رقم 1515 (2003) الصادر في 19 تشرين الثاني 2003.
في الواقع، إذا كان الوضع في لبنان يتألف من عامل رئيسي "من أجل السلم والإستقرار الإقليميين"(1)، علينا أن نعترف بأن "التطور الإيجابي للحالة الإقليمية له أثر حاسم على استقرار البلاد"(2). هذا التوازن بين الحالة الإقليمية والحالة اللبنانية يجد معناه في مبدأ الإستقرار، الذي أصبح الإسم الآخر لـ"السلم العادل والمستدام"، نظراً الى الظروف السياسية الإقليمية غير المواتية حالياً، أقل ما يمكننا قوله هو أنها في غير محلها، من أجل تحقيق هذا الهدف الأخير.
تحضّ التقارير المختلفة الخاصة بتنفيذ القرارين 1559 و1701 القيادات اللبنانية على ألا تعرّض للخطر هذا العامل الحاسم للإستقرار، ثمرة تسوية إقليمية، لا بل دولية. على سبيل المثال، في هذه التقارير المتعلقة بالقرارين 1559 و1701 التي نشرت في شهري نيسان وأيار من العام 2009، دعا أمين عام الأمم المتحدة الزعماء اللبنانيين للسهر من جهة "على حسن سير العملية الإنتخابية فتكون حرة ونزيهة بمنأى عن أي أعمال عنف وترهيب وتحريض"(3) ومن جهة أخرى لـ"بذل جهود حثيثة في ضمان وجود مناخين سياسي وأمني ملائمين لدى سريان الإنتخابات البرلمانية بشكل سلمي، من دون عنف أو خطب تلهب المشاعر" وكذلك لـ"السهر على منع المصالح الإنتخابية، القصيرة الأمد، من إخراج عملية الحوار الوطني عن مسارها (تعزيز طابع لبنان كدولة)(4).
ولكنّ "اليونيفيل" ليست على هامش هذا الإستقرار المتنامي في لبنان. في الواقع، وفقاً للأمين العام، ستشكل من الآن فصاعداً قوة فاعلة لا غنى عنها من أجل الترويج لعامل الأمن هذا، الذي يشكل مبدأ الإستقرار(5)، من خلال اتمام ولايتها ومؤازرة الجيش اللبناني ولعب دور الوسيط في تسوية النزاعات اللبنانية- الإسرائيلية.
الخاتمة
إن "اليونيفيل" هي القوة الوحيدة التي مُنحت وسائل تعزيزية و"قوية" على صعيد عملية حفظ السلام في الشرق الأوسط. أكان على صعيد تشكيل طاقم من العسكريين والمعدات المادية أو ولاية تعزيزية وفقاً للقرار 1701، يمكن اعتبارها، بحسب مجلس الأمن، قوة فريدة من نوعها تسعى الى تحقيق "شراكة دولية مميزة"(6). خلافاً للنزاع الإسرائيلي- الفلسطيني وللنزاع الإسرائيلي- السوري، لقد تم تسوية النزاع الإسرائيلي- اللبناني أو هو في طور التسوية من خلال تدابير مجلس الأمن عبر عمل قوات "اليونيفيل". هذا يشكل ضماناً أقل خطورة في التسوية العادلة للنزاع، نظراً إلى أنه لا يخضع كثيراً للتجاذبات ورهانات علاقات القوى الكبرى الدولية خارج إطار الأمم المتحدة. تم تزويد "اليونيفيل" بولاية تعزيزية وبوسائل قوية تسمح لها بالتحرك بشكل فاعل وبنزاهة.
لهذا السبب، يعزز نجاحها في ترسيخ استقرار الحالة الأمنية في جنوب لبنان الإستقرار في الأراضي اللبنانية كافة ويساهم بشكل كبير في تعزيز السيادة اللبنانية. أما على الصعيد الإقليمي، فالإستقرار اللبناني يؤدي إلى استقرار في المنطقة في انتظار القيام ببحث جدي للتوصل إلى سلام عادل ومستدام. بناءً عليه، إن قوات "اليونيفيل" ليست "عاملاً لبيئة استراتيجية عسكرية جديدة للأمن والإستقرار في جنوب لبنان"(7) فحسب، بل أيضاً على الخريطة الوطنية والإقليمية على حد سواء. ولكن، يتوجب علينا أن نسأل ما إذا كانت مهمة "اليونيفيل" الضمنية هي إعادة الثقة والصدقية إلى عمليات حفظ السلام في العالم…
(1) Op.cit. Neuvième rapport du Secrétaire général sur l’application de la résolution 1701, paragraphes 27, 43 et 44.
(2) Ibid. paragraphes 6, 16 et 26.
(3) Ibid. paragraphe 75.
(4) S/2009/218, paragraphes 29 et 52.
(5) S/2009/119, paragraphes 2 et 60.
(6) Déclaration présidentielle du Conseil de sécurité en date du 5 août 2009: http://www.un.org/News/fr-press/docs/2009/CS9724.doc.htm
(7) Quatrième rapport du Secrétaire Général relatif à l’application de la résolution 1701 (2006) du Conseil de sécurité, S/2007/392, paragraphe 53, et dixième rapport S/2009/330 paragraphe 65.
(أستاذ في القانون الدولينائب رئيس وأمين عام الجامعة الأنطونية )