#adsense

نص “صادق”… بتناقضاته !

حجم الخط

نص "صادق"… بتناقضاته !

رغم اللامبالاة التي غالبا ما تطبع النظرة العامة الى البيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة كسمة فاقعة تعكس التفلت المزمن للسلطة من تعهداتها والهوة الواسعة بين الالتزام والتنفيذ، يحمل مشروع البيان الوزاري لحكومة الرئيس سعد الحريري مجموعة "مؤشرات – مفاتيح" تحفز على معاينة النص بدقة. وإن لم يكن ذلك على سبيل الاسترشاد "الانشائي" بوجهة السياسات الحكومية، فعلى الاقل لفهم بعض الاتجاهات الجدية في ما يقوله او لا يقوله واضعو النص مباشرة ومداورة.

المؤشر الاول يبرز في كلاسيكية النص من حيث مراعاته بشدة مقتضيات التسوية الآنية التي جمعت اطراف الحكومة. والكلاسيكية في هذا المجال تفترض انتفاء اي عامل جديد، او مغاير. ومن هذه الزاوية قد تكون المفارقة ان النص جاء "صادقا" الى اقصى الحدود، بل ملتزما هذا الصدق في انعكاس التسوية عليه، بدليل انه جاء محمولا بتناقضات الامر الواقع في شقه السياسي خصوصا، فليس ما يشبه هذا النص اكثر من الواقع الازدواجي الذي تتكون منه الحكومة. وبذلك لا يغدو غريبا على الاطلاق المزاوجة بين "فقرة" الدولة وحصريتها ومرجعيتها، و"فقرة" المساواة بين الدولة والشعب والجيش والمقاومة.

النص هنا "اصدق أنباء" من كل المناورات الكلامية الاخرى، ولانه سيجعل "المجتمع الدولي" يفهم مرة اخرى ان التسوية بشقيها اللبناني والاقليمي التي جاءت بهذه الحكومة هي الممر الالزامي "القاهر" والوحيد لجعل هذا المجتمع "يرأف" بالاحوال اللبنانية ويجاريها على طبيعتها دونما مزيد من الضغوط وكذلك دونما تخل تام عن ترك لبنان لهوى "حاكميه" الاقليميين من قرب وبعد.

المؤشر الثاني يتصل بالنص ومفاعيله، فالتحفظ او الاعتراض لمجموعة قوى مسيحية من ضمن فريق 14 آذار على فقرة المقاومة تكتسب دلالة جادة، ليس من حيث موقفها من سلاح "حزب الله" فحسب، بل من حيث الاداء السياسي ايضا، وربما يقتضي تسليط الضوء على الوجه الثاني اكثر من الاول.

هذه المجموعة تنبري الى الاضطلاع بدور "المعارضة" من داخل الموالاة للمرة الاولى بهذا الشكل. ثمة كثر هلَّلوا للتداعي الجديد في فريق الغالبية. لكن يصعب تجاوز المفاهيم الاعمق لهذه الخطوة الاعتراضية في انعكاسها على مجمل المشهد السياسي. يمكن في كل الاحوال هذه المجموعة المعترضة على جانب حصري من سياسة الحكومة، وهي مشاركة فيها، ان تعتد بمسألتين: مبدئية ونظامية. فهي لا تجافي ما التزمته في برنامجها الانتخابي من جهة، وهي ايضا توجه لكمة الى الخصم المعارض في عدم تجاوزها الاعتراض الى تعطيل الحكومة والمؤسسات من جهة اخرى. بذلك تنقل هذه المجموعة المعترضة سلوكها من ضفة مبدئية الى ضفة نظامية ولو خاطرت بالظهور مظهر "الصقور" بازاء "حمائم" الغالبية مع ما قد يترتب على هذه المخاطرة من مفاعيل. واغلب الظن انه يتعين على المعارضة ألا تنام على حرير مماشاة الحمائم لها في الصياغة اللغوية للبيان، ما دام النص ترك ربط نزاع مسألة المقاومة على طاولة الحوار ، واشار بالبنان الواضح الى انقسام اللبنانيين حولها.

في ذلك لا تستقيم اذن شماتة غلاة المنتقدين لقوى 14 آذار بانهم خسروا الشوط مرة اخرى امام المعارضة، لان المعارضة نفسها هي اكثر ذكاء من ان تأخذ على محمل الجد "النهائي" ان بيانا وزاريا املته ظروف سياسية معروفة من شأنه ان يضع حدا جذريا لمسألة شديدة المسالك والوعورة مثل مسألة المقاومة.

اما المؤشر الثالث فيتصل بالمساحة الرحبة من الاستبشار الاجتماعي والاقتصادي. يترك النص من هذه الزاوية انطباعا بأن تحييد قضايا الناس واولوياتهم بات قاب قوسين او ادنى من التحقق. ولعلها المغامرة الاخطر فعلا في ان يصدق واضعو البيان ويحملون الناس على تصديق امر هو "اجمل من ان يصدق"، بل اشد تعقيدا بكثير من ان ينطبق على ارض الناس. فمن قال ان "فترة السماح" لرئيس الحكومة ستكون مفروشة بالرياحين ان هو لم يماشِ المعايير نفسها التي املت صياغة الشق السياسي على هذه الشاكلة؟

ومتى كانت القضايا الاقتصادية والاجتماعية في لبنان معزولة عن الضغط السياسي ومعارك الصراع والنزاعات المتلونة؟
ثمة فترة سماح بلا شك، لكنها قيد المراقبة الشديدة والرصد المحكم، وتبديد اسطورة تحييد السياسة عن قضايا الناس يحتاج الى اكثر من انشاء لغوي بارع وبلاغة تسووية. والآتي قريب.

المصدر:
النهار

خبر عاجل