الانتخابات وتأليف الحكومة يرهقان تكتّل التغيير والإصلاح
متأخراً 4 أسابيع، زار العماد ميشال عون النائب سليمان فرنجية لتهنئته بالمنزل الجديد في الرابية. وفي سابقة على صعيد العلاقات بين الزعماء، زار الجنرال أوّل من أمس طلال أرسلان لتهنئته بعيد الأضحى. الاستفاقة العونية على الواجبات الاجتماعية يفترض أن تستكمل في الأيام المقبلة بعدما تدهورت علاقة الأقطاب داخل تكتل التغيير والإصلاح
بعد الاجتماع الأول لتكتل التغيير والإصلاح إثر الانتخابات النيابية الأخيرة، لم يلتئم شمل أقطاب هذا التكتل ولا مرة. لا بل إن الهوة بين هؤلاء الأقطاب (ميشال عون وسليمان فرنجية وطلال أرسلان) التي بدأت عشية الانتخابات أخذت تتسع، محتضنة الكثير من المآخذ.
عون ــ فرنجيّة
يختلف طبع سليمان فرنجية عن طباع معظم الزعماء الحاليين. فهو متحرر من الأحكام المسبقة، لا يتوقف عند التفاصيل، لا يعلق على كل كلمة، لا يحاسب المحيطين به على الهفوات الصغيرة ولا ينتقد أبداً خصومه أو حلفاءه في غيابهم. وفي المقابل، يحافظ فرنجية على مستوى الصراحة نفسه سواء في منزله أو في حزبه أو في الاجتماعات السياسية الكبيرة، وهو يثق بأن الأساس في قوته هو قوله ما يفكر به من دون لف ودوران.
في علاقته مع العماد ميشال عون، تصرف فرنجية منذ البداية على طبيعته. قال في لقائهما الأول كل الأفكار التي اختزنها، وتصرّف لاحقاً كابن معجب بوالده.
عشية الانتخابات النيابية، كان فرنجية ـــــ صاحب الماكينة الانتخابية الذكية ـــــ يسمع ويرى ويلمس أموراً تناقض ما يبلغه إياه الجنرال نقلاً عن الماكينة الانتخابية العونية. ورغم محاولته النقاش بإيجابية، فإن مواقف الرابية كانت جازمة. وعلى هامش الانتخابات، سجلت ملاحظات كثيرة: زار الجنرال الشمال ولم يمرّ ببنشعي، طلب العونيون من مردة البترون أن يخلعوا قمصانهم الخضراء ليرتدوا قمصاناً برتقالية حتى يظهر الوجود العوني في البترون كثيفاً، ولم يسمع أهل المردة كلمة شكر واحدة، حاول فرنجية التدخل في البترون والكورة وبشري، فخرجت أصوات تدعو «ابن زغرتا» إلى معرفة حدود زعامته والوقوف عندها. وفي نتيجة الانتخابات، فاز الجنرال بتعزيز زعامته. أما فرنجية، فوجد نفسه محاصراً في زغرتا، خاسراً في البترون والكورة وبشري.
كعادته، لم يعلّق فرنجية، وبدأ العمل ليعزز حضوره السياسي. لكن مع بدء النقاش بشأن الحكومة، وفي اجتماع حضره المعاون السياسي للأمين العام لحزب الله الحاج حسين الخليل والنائب علي حسن خليل والوزير جبران باسيل، إضافة إلى فرنجية، حصل نقاش حاد بين فرنجية وباسيل. صراحة فرنجية في ذلك الاجتماع أطلقت الشرارة لتوتّر عزّزه بعض المقربين من عون، الذين يعتقدون بأن الشمال لا يتّسع لزعيمين. ولاحقاً، في اجتماع لقيادة المعارضة، دعا فرنجية عون إلى تليين موقفه قليلاً. فكان رد فعل الجنرال حازماً بالرفض. ولكن فرنجية لم يتراجع عمّا كان قد قرره، فرفض سحب مرشحه الى انتخابات نقابة محامي الشمال، وأعلن من دون تنسيق مع الجنرال قبوله بوزير دولة بدون حقيبة، وأبلغ موقفه مباشرة الى الرئيس سعد الحريري قبل أن تتكثف العلاقة بين الرجلين.
وعندما عقد قادة المعارضة اجتماعهم عند الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، كان الأخير مهتماً بترطيب الأجواء العامة. وحرص على أن يجلس فرنجية إلى يمينه، وترك رئاسة الجلسة وإدارتها الى العماد عون. وفجأة أبلغ عون وفرنجية السيد أنه لا وجود لمشكلة، وأن سوء التفاهم الذي قام لا يحتاج إلى وساطة.
بعد زيارة عون الأخيرة لفرنجية، تحلحلت أمور كثيرة. لكنّ تطوّر العلاقة إيجاباً بين الرجلين مرهونة، بحسب مطّلع على تفاصيل هذه العلاقة منذ بدايتها، بتفهّم عون لنقطتين: أولاً، فرنجية شريك في تكتل التغيير والإصلاح وليس مجرد رقم على الطاولة. وثانياً، لا يمكن فرنجية التساهل حيال أخطاء من جانب قيادات وكوادر في التيار الوطني في مواجهة استنفار عال وكبير ودقيق للقوات اللبنانية، وخصوصاً في الشمال.
في المقابل، على فرنجية أن يتفهّم نقطتين: أولاً، أن الجنرال هو الزعيم المسيحي الأقوى بالنسبة إلى قسم كبير من المسيحيين وبالنسبة إلى غالبية قيادات المعارضة، وكذلك بالنسبة الى القيادة السورية. وثانياً، عليه التعامل بواقعية مع الدور الذي يعطيه الجنرال للوزير جبران باسيل.
الرابية ــ خلدة
من الرابية إلى خلدة، تختلف الأمور بعض الشيء. فمشكلة المير طلال أرسلان مع الجنرال لا تتجاوز حدود الاعتراض على عدم توزيره أو توزير من يمثل حزبه، وشعوره بأنه مهمش سواء على صعيد تأليف الحكومة أو لناحية تبادل الودّ فجأة بين عون والنائب وليد جنبلاط. وبحسب أحد مصادر الحزب الديموقراطي، فإن عون طوى خلال زيارته الأخيرة لأرسلان سريعاً الملف الحكومي ليشرح له بإسهاب تطور العلاقة بينه وبين أبو تيمور، مؤكداً لحليفه أنه يتمسك بالتحالف ويعتقد أن العلاقة العونية ـــــ اليزبكية هي الركيزة لأية مصالحة مسيحية ـــــ درزية. ويشار هنا إلى أن وجود النائب السابق مروان أبو فاضل، وتحركه الرشيق بين خلدة والرابية، لا يترك مجالاً لاشتداد التوتر بين عون وأرسلان، ويقطع الطريق بسرعة على المصطادين في الماء العكر. نموذج أبو فاضل تفتقده علاقة عون وفرنجية، أو عون وكرامي، أو عون وسكاف، أو حتى عون وحزب الطاشناق.
عون ــ الطاشناق
يؤكد المطلعون على علاقة الجنرال بحزب الطاشناق أنها مشوبة ببعض التوتر. ويشرح أحد المتابعين أن لدى الحزب خطوطه الحمر التي لا يريد لأحد أن يتجاوزها، وثمة فوارق في التعامل مع العناوين السياسية. فأن يذهب الجنرال ليلتقي الرئيس أمين الجميل بعد انتخابات المتن الفرعية عام 2007 لا يعتبر، بالنسبة إلى الطاشناق، مشكلة كبيرة. أما التدخل في شؤون الحزب الداخلية، فهو الأمر الخطير. ويبدو أن لدى النافذين في الحزب الأرمني الأكبر ملاحظات، منها:
أولاً، يعتقد الطاشناقيون أن العماد عون أو أحد معاونيه، كان خلف الخطأ في تقدير موقف الحزب من التوزير. ثمة من عمل على إشعار الطاشناق بأن عون يحاول تسمية وزيرهم في الحكومة، أو أنه يفضل الوزيرين السابقين آلان طابوريان أو سيبوه هوفنانيان. وقد برزت حالة من الضغط داخل الطاشناق بعد اقتراح عون حصول الطاشناق على حقيبة السياحة لا الصناعة، قبل أن يتدخل المصلحون وينتهي الأمر بترك السياحة للوزير فادي عبود.
ثانياً، يسود داخل الطاشناق اعتقاد بأن عون لم يقدّر قيمة الصوت الأرمني الذي لولاه لكان سيخسر عون في المتن خمسة نوّاب. وقد سمع الجمهور الأرمني انتقادات لتقصير الحزب في الأشرفية بدل سماعه ثناء على دوره سواء في الأشرفية أو المتن أو زحلة. وثمة كلام واضح في هذا السياق وسط شباب الطاشناق عن عدم الاستعداد للسير مع الجنرال «على العمياني»؛ فعشية الانتخابات النيابية، أسكت عون وفد الطاشناق الذي كان يؤكد له أن الماكينة العونية غير منظمة، فخسر الطاشناق في النتيجة مقعدين في الأشرفية ومقعداً في زحلة كان سيفوز بها حتماً لو تحالف مع قوى 14 آذار أو لو سمع عون ملاحظات الحزب الأرمني وأخذ بها. أما عشية الانتخابات البلدية، فلن يسكت الطاشناق عن استمرار اللامبالاة التنظيمية العونية. وتؤكد مصادر الحزب أنهم سيدرسون بدقة الوضع الانتخابي لكل القوى ويختارون الأفضل لحزبهم، من دون الوقوع مجدداً في مغامرة الـ 2009.
إلى جانب فرنجية وأرسلان والطاشناق، هناك الوزير السابق الياس سكاف الذي زاره عون قبل نحو شهر في زحلة ليطوي معه صفحة الانتخابات، ويتفقا على فتح صفحة جديدة.
هل يستفيد تكتل التغيير والإصلاح من الصفحات الجديدة؟ الأمر في يد الجنرال. فإما أن يعزز الديموقراطية داخل التكتل، ويراعي هواجس حلفائه التنظيمية، أو سيجدهم يبحثون عن مستقبلهم بعيداً عنه.
(غداً: طلّاب التيار الوطني الحر ونقابيّوه في زمن «البزنس»)
________________________________________
«كتر العتب شو يفيد»
خارج تكتل التغيير والإصلاح، يمكن ملاحظة العتب على وجوه كثيرين من الحلفاء المفترضين:
ــ الرئيس عمر كرامي عاتب على التأخير في إعطائه المواعيد في الرابية، التي توقّف عن طلبها منذ أشهر عدّة. وهو عاتب على إرسال عون موفدين عنه دون المستوى المطلوب، لمحاورته. وهو عاتب على عدم مراعاة عون في السياسة لخصوصية حلفائه السنّة. حال كرامي في العتب الأخير من حال الوزير السابق عبد الرحيم مراد ومعظم المعارضين السنّة.
ــ الوزير السابق وئام وهاب يعتقد أنه يعطي العونيين من دون مقابل. ورغم سكوته عن عدم تبني الجنرال لترشيحه أو ترشيح أحد المسؤولين في حزبه، لم يلقَ ردّاً لجميله.
ــ السياسيون الذين انتظموا في اللقاء الوطني المسيحي يشعرون اليوم بأنهم استُعمِلوا مرحلياً، ثم حُجِّم وأغلقت أبواب الرابية في وجه ناشطيه الذين فهموا أن صلاحية اللقاء انتهت بالنسبة إلى عون، مع انتهاء عقد إيجار المكتب المخصّص لاجتماعات اللقاء.