#adsense

سلاح غير شرعي في بيان حكومة شرعية

حجم الخط

سلاح غير شرعي في بيان حكومة شرعية
المحامي جورج ابو صعب

مهزلة حقا هذا الذي يحصل في لجنة صياغة البيان الوزاري لجهة مناقشة ما يسمى ببند السلاح، وللاسف الشديد ثمة من يقتنع من هنا وهناك الى ان هناك حاجة لذكر هذا البند في البيان الوزاري لا بل ان لا مانع من ذكر هذا البند في البيان المذكور. فهذا المنطق في التفكير وفي تناول الموضوع يشكل سابقة خطيرة أخرى من بين سلسلة السوابق التي باتت وصمة سقوط مريع على جبين الديمقراطية والنظام البرلماني الجمهوري اللبناني.

اننا فعلا في زمن الاستثناءات والانقلابات في كل شيء في لبنان ولاسيما الحياة السياسية. بحيث نفقد يوما بعد يوم المعايير والعناصر التي لطالما اثقلت الحياة السياسية والدستورية والتي شكلت على مر السنوات منذ الاستقلال اسس التوازن وضمان استمرار المعادلة اللبنانية في شقيها الاستراتيجي والداخلي، فما يحصل اليوم من تراجع واندحار للمفاهيم بات يفوق التصور والمنطق والمقبول.

ففي موضوع بند سلاح المقاومة او بند سلاح حزب الله الذي بات وفقا للمعلومات العقدة الاساسية التي تواجهها لجنة صياغة البيان الوزاري برئاسة الرئيس سعد الحريري نود تسجيل الملاحظات التالية:

اولا: في المبدأ المنطقي لا نرى ما يبرر ان يتضمن البيان الوزاري للحكومة اللبنانية الجديدة بندا يتكلم عن سلاح المقاومة او سلاح حزب الله، لان الموضوع بحد ذاته لم يعد موضوع كتابة على ورقة بيان وزاري ام لا. فالمقاومة اعلنت مرارا وتكرارا انها مستمرة على الرغم من كل شيء وسواء اعترف بها العالم كله ام لم يعترف بها. وقد صدر مثل هذا الكلام عن اعلى مراجع الحزب في مناسبات عدة.

وبالتالي لا نرى حقيقة ما يمكن ان يبرر ان تدرس اللجنة موضوع ادراج بند للسلاح ام لا طالما ان لا قيمة للبند في نظر منظري الحزب وزعماء المقاومة.

فأي ذكر لبند السلاح ولو بمجرد ذكره في بيان وزاري يعني اعترافا واقرارا به بغض النظر عن مضمون البند وصياغته. فذكر الشيء بحد ذاته احيانا يعني الاقرار بوجوده والمنطق يقول ان من يعتبر او لا يعتبر ان ثمة سلاحا للمقاومة عليه ان يمتنع عن ذكره.

ومن يقول ان لا بد من ذكر بند السلاح في البيان الوزاري ينسى ان الذي يطلب به هو تأييد لاستمرار الثنائية في قرارات السلم والحرب ولاستمرار اعطاء الدعم الشرعي والدستوري للسلاح اي بعبارة اوضح الاقرار بالسلاح غير الشرعي وبدور وطني له وهذا ما نرفضه.

ثانيا: في المبدا الدستوري والقانوني وطالما اننا متفقون على ان بند السلاح يجب ان يبحث من ضمن طاولة الحوار في ما بات يعرف بمصطلح "استراتيجية الدفاع" او الاستراتيجية الدفاعية، علما اننا لا نؤمن بتلك الطاولة التي اثبتت عقمها ودورانها حول نفسها حتى في القرارات التي اتخذتها. وطالما اننا متفقون على اعتبار بند السلاح بندا شاذا لا يمكن ان ياتلف مع منطق بناء الدولة وبسط سلطتها الشرعية على كامل اراضيها ولا يمكن بالتالي ان يعتبر في صلب بناء الدولة بل هو نقيض الدولة ونقيض سيادتها ونقيض صلاحياتها في اتخاذ قرارات الحرب والسلم وسواها من قرارات مصيرية.

لذلك نرى ان مجرد تناول بند السلاح غير الشرعي في بيان وزاري هو مخالفة لمبدأ سيادة الدولة، لان في ذلك تقوم الدولة بالاقرار بان لها شريكا اخر في تقرير الحرب والسلم يجب مراعاته والعمل على منحه ما يشاء من حقوق وهذا ما نرفضه ايضا.

ثالثا: ان ادراج بند السلاح غير الشرعي في البيان الوزاري يعد مخالفا لوثيقة الطائف اذا اخذنا بالاعتبار ان نص الطائف كان واضحا حينما تكلم عن قيام الدولة القوية القادرة المبنية على اساس الوفاق الوطني وعلى وضع خطة امنية مفصلة هدفها بسط سلطة الدولة اللبنانية (وليس اي سلطة اخرى) تدريجيا على كامل الاراضي اللبنانية بواسطة قواتها الذاتية (وليس قوات رديفة او سلاح رديف) وقد تضمنت خطوط الخطة في وثيقة الطائف:"… الاعلان عن حل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم اسلحتها الى الدولة اللبنانية… كما تضمنت الوثيقة الاشارة الواضحة في باب تحرير الارض من الاحتلال الاسرائيلي الى اتخاذ كافة الاجراءات اللازمة لتحرير جميع الاراضي اللبنانية من الاحتلال الاسرائيلي … ونشر الجيش اللبناني … والعمل على تدعيم وجود قوات الطوارئ الدولية…"

ما يعني ان على الدولة ان تتخذ كافة الاجراءات اللازمة لتحرير جميع الاراضي اللبنانية وليس فريق من الدولة او فريق من الشعب او حزب او تنظيم او تيار مهما علا شأنه وكبر نفوذه. الامر الذي ينقض تماما حجة من يعتد من نواب ومسؤولو حزب الله بهذا النص لاستشراف وجود سند في نص الطائف يشرع وجود السلاح الى الان. فلهؤلاء نقول ان النص في الفقرة (ج) من الباب ( ثالثا) من وثيقة الطائف جاءت في سياق الفقرة (ا) والفقرة (ب) وبدأت بعبارة "استعادة سلطة الدولة حتى الحدود اللبنانية…" فمن يستعيد سلطة الدولة ليس ميليشيا بل الدولة ومن يقرر عن الدولة هي الدولة ذاتها وليس احد اخر، وبالتالي من يملك الصفة والصلاحية القانونية والدستورية والسياسية في تحرير لبنان من الاحتلال بموجب الطائف هو الدولة والدولة فقط .

وبالتالي لا نرى كيف يمكن لبيان وزاري لحكومة وحدة وطنية ان يعود ويشرع الوجود الرديف لقوى لا تأتمر بالسلطة الشرعية ولا تتقيد باستراتيجية الدولة اللبنانية ولا تتبع اساسا الدولة اللبنانية تحت. اي ستار او شعار يمكن تبرير ذلك؟

رابعا: اننا نقترح على اللجنة الوزارية للبيان الوزاري ادراج كامل الباب (ثالثا) من اتفاقية الطائف في صلب البيان، الى جانب بند السيادة كما جاء حرفيا في اتفاق الطائف لانه الاوضح والاعدل والاكثر حفاظا على ما تبقى من سيادة دولة وهيبة دستورية لسلطات انحدرت صلاحياتها الى ادنى المراتب منذ ما بعد التكليف الثاني في تشكيل الحكومة. كما نقترح ان يشار في البيان الوزاري الى ان بند السلاح والمقاومة يحال الى طاولة الحوار الوطني للبت فيه بغية اخراج الموضوع من التجاذبات التي قد تعطل او تؤخر انجاز البيان الوزاري.

والا فاننا نحذر من ان يأتي البيان في بند السلاح مخالفا لارادة اللبنانيين التي انتهكت الى الان منذ ما بعد انتخابات السابع من حزيران الماضي ولا تزال تنتهك، وقد باتت نتائج الانتخابات فصلا من تاريخ لبنان وحبرا على ورق وذكرى تتداولها اسفة الشفاه والحكايات.

لا يمكن لمواطن حريص على قيام الدولة السيدة الحرة والمستقلة ان يقبل باقل مما نص عليه اتفاق الطائف. ولا يمكن لمواطن حريص على وطنه وعلى مصالح وطنه ان يقبل باستمرار تشريع السلاح غير الشرعي ووضعه بمصاف السلاح الشرعي.

فالمقاومة في عرفنا وسيلة وليست غاية، فاذا بحزب الله يحولها الى برنامج حكم ونظام ودولة بقوة السلاح، وهي مؤقتة وليست دائمة فاذا بحزب الله يحولها الى كيان داخل الكيان اللبناني ودولة من ضمن الدولة، ويبني عليه سياساته الوطنية ونظرته لدور لبنان في المنطقة والمحيط.

خامسا: ان بند السلاح هو في صلب سوء التفاهم اللبناني الداخلي، فالسلاح غير الشرعي لا يكون شرعيا بل مشروعا ومشروعيته لا تكون في اي زمان ومكان بل في اوقات الحاجة.

فاذا انتفت الحاجة انتفت المشروعية ولا شرعية لها اصلا كي تبحث عنها، وبالتالي ان ما نخشاه ان تؤدي التسويات التنازلية مرة اخرى الى جعل السلاح غير الشرعي في صلب التركيبة السياسية للحكومة وفي صلب اقرار الحكومة بها كي تعود وتستمد من لا شرعية وجودها وجودا شرعيا عجز عن نيله حزب الله في الانتخابات النيابية الاخيرة، فتعطيه الحكومة من النافذة ما عجزت عن منحها له الانتخابات النيابية من الباب العريض.

انه منطق اللامنطق الذي نود مكافحته، منطق لا يقيم اي توازن بين الخطأ والصح، وبين الحق والباطل. فنحن لسنا ضد المقاومة ولا ضد حزب الله بل نحن ضد المنطق المستحكم لدى بعضهم ولدى بعض من فريق الاكثرية، والذي يناقض اسس قيام الدولة التي ارتضيناها اسس برنامج انتخابي لاكثرية وعدت بالعبور الى الدولة، فلم ننجح في وضع اللبنة الاولى لهذا العبور الى الان. لابل نجحت الاقلية في جرنا الى الخوف منها وتحت ضغط الخوف بدأت التنازلات والانحدارات التي لا نه عرف اليوم الى اين ستحملنا وستؤدي بنا.

فبند السلاح لا يدرج في البيان الوزاري لنحافظ ولو بالشكل على طابع الموضوع الاستثنائي وغير المألوف. فاذا ادرج شرع واذا شرع خالف الدستور والطائف وارادة الناخبين في 7 حزيران 2009 وخالف قيام الدولة واسقط مرة اخرى البلاد في ثنائية قرار الحرب والسلم اتي قد تجر على لبنان وشعبه في المستقبل الويلات والمأسي والمزيد من الانقسامات الداخلية.

هذا كلام مواطن قلق على وطنه… فليسمع من له اذنان سامعتان…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل