مفارقة "إسلامية المقاومة" ولا طائفية الوطن
"… قويَ الإهتمام بضرورة قيام تشكيل إسلامي موحَّد يتمحور حول ثلاثة أهداف مركزية:
1- الإسلام هو المنهج الكامل الشَّامل الصَّالح لحياة أفضل، وهو القاعدة الفكرية والعقائدية والإيمانية والعملية التي يُبنى عليها هذا التشكيل.
2- مقاومة الإحتلال الإسرائيلي كخطر على الحاضر والمستقبل،…
3- القيادة الشرعية للولي الفقيه كخليفة للنبي والأئمة … وأمره ونهيه نافذان."
(الشيخ نعيم قاسم- حزب الله المنهج..التجربة..المستقبل. ص.25)
كان ملفتاً توقيت طرح إنشاء الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية من قبل الرئيس نبيه بري، فالرئيس الذي استفاق على تنفيذ "الطائف" متأخراً عشرين عاماً، أصرّ على تذكيرنا بالأسلوب السوري في التعاطي مع هذا الإتفاق، لا بل تذكيرنا بالنسخة السورية من هذا الإتفاق، حيث أن الرئيس بري كان اعتبر القبول بالطائف (بنسخته اللبنانية) خيانة (النهار – 20/10/1989)، فحق "لبنان باستعادة أرضه بكافة الوسائل المتاحة"، أضحى حقاً "للمقاومة الإسلامية" المتمثلة في "حزب الله" باحتكار حمل السلاح وقرار الحرب، كما أن "اعتماد قانون إنتخابي جديد يعتمد المحافظة كدائرة إنتخابية وذلك بعد إعادة النظر بالتقسيمات الإدارية"، تحوّل إلى قوانين إنتخابية إنتقائية اعتُمِدت فيها كل المعايير والتقسيمات التي تمنع المسيحيين من إيصال ممثليهم إلى مجلس النواب، من دون أن ننسى طبعاً أن بند "تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية" غالباً ما استُخدم، كتهديد يُرفع بوجه المسيحيين كلما طالبوا بتنفيذ الطائف، لجهة البند المتعلق بانسحاب القوات السورية من لبنان…
إلا أن التهديد الحالي، إنما يُرفع بوجه بكركي وسيّدها، الذي أصرّ اخيراً على تذكير من يعنيهم الأمر بضرورة بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وحصر امتلاك السلاح بالقوات الشرعية اللبنانية، كما باستعادة قراري الحرب والسلم إلى كنف الدولة دون سواها، فكانت العودة إلى أساليب مرحلة الوصاية التي يتقنها دولة الرئيس عن ظهر قلب.
إذاً من الواضح أن الرئيس بري أراد أن يسمع اعتراضات الفرقاء اللبنانيين الآخرين على اقتراحه، كي يتمكن من الدفاع عن استمرار "حزب الله" بالإحتفاظ بسلاحه، على اعتبار أن إلغاء الطائفية (كما يفهمها الرئيس بري) هي استلام الطائفة الأكثر عدداً لمقاليد الحكم، وبذلك أراد أن يرسي معادلة قبول الطائفة الشيعية بعدم إلغاء الطائفية، وبالتالي عدم استلامها لمقاليد الحكم، في مقابل قبول الطوائف الأخرى ولا سيما المسيحيين من بينهم باحتفاظ "حزب الله" و"أمل" بسلاحهم الإقليمي، مع كل الملحقات السياسية والأمنية المترتبة عليه.
إلا أن المعادلة المطروحة من قبل الرئيس بري تشوبها الكثير من الأخطاء والتشوهات، فإلغاء الطائفية السياسية لا يعني استلام الطائفة الأكثر عدداً لمقاليد الحكم، بل يعني في جملة ما يعنيه، تحول المجتمع من مجتمع طائفي إلى مجتمع مدني، وتأسيس احزاب علمانية، وإزالة الفوارق كافة بين المواطنين، والنهوض بالمجتمع إلى مستوى تنافس العقل والمنطق لا الغريزة والعشائرية… والحالة هذه، تفترض إقتراع الناس في أي انتخابات لمن يرونه الأكفأ والأكثر قدرة على إدارة شؤونهم، خارج القيد الطائفي والمذهبي والعشائري الضيق، إذاً من الممكن أن يكون الأكفأ بالنسبة لمجموعة من المواطنين (من مختلف الطوائف) على سبيل المثال لا الحصر كاثوليكياً أو علوياً أو درزياً. أما وأن الرئيس بري يفترض أن إلغاء الطائفية سيصب حتماً في مصلحة الطائفة الشيعية فهذه ذروة الطائفية، وفهم خاطئ لمفهوم إلغائها.
أما المفارقة الأبرز، فتتمثل في ازدواجية المعايير التي يعتمدها الفريق الذي ينادي بإلغاء الطائفية، وهو نفسه الفريق الذي ألغى "عبر كافة الوسائل المتاحة" ما كان يُعرف بالمقاومة الوطنية، وأحلَّ مكانها مفهوم وثقافة "المقاومة الإسلامية"، من هنا تصبح هواجس المسيحيين مبررة تجاه طرح بري، الذي لو كان جدياً وصادقاً في ادعائه نقل لبنان من مرحلة الطائفية إلى مرحلة الدولة المدنية، كان الأجدر به أن يقف إلى جانب بكركي في مطالبتها باعتماد القواعد العامة والمعايير المتعارف عليها في مقاربة المواضيع الوطنية الكبرى، وفي مطالبتها بحصر السلاح بالجيش الوطني، حيث أنه من المستحيل أن يقبل المسيحييون بإلغاء الطائفية والإنتقال من وطن تتحكم به الطوائف المتعددة، إلى وطن يتحكم به حزب واحد كتب على علمه: " المقاومة الإسلامية في لبنان".