#adsense

زمن “الأخ الأكبر”

حجم الخط

زمن "الأخ الأكبر"

اللبنانيون هواة تأسيس. هكذا بكل بساطة. لا استمرارية لديهم. دائماً ينطلقون من الصفر. يمحون الماضي بابتسامة. في السياسي كما في الشخصي. جميعهم، وحتى لا نظلم كثيرين، أغلبهم، يقود، في الحياة السياسية دراجة، لا "سيترن" ولا حتى سيارة "ميني ماينر". يسهل عليهم التكويع. كلامهم "الكبير" في السياسة، لا يعني أنهم أضعف من أن يقولوا ما هو ضده، ويفعلوا ما لا يتواءم معه. في يوم، في شهر أو في سنة.

الأنكى من ذلك، أنهم لا يبررون لجمهورهم لماذا انعطفوا يميناً بعدما كرروا التأشير إلى اليسار، أو العكس. ربما هم على حق في أن يروا في أنفسهم آلهة وفي العامة مؤمنين بهم، لا برسالتهم، فإما أن الرأي العام بغل، كما قال سعيد تقي الدين، وهم يتصرفون على هذا الأساس، وإما أنهم في عالم أوهامهم لا يقيمون وزناً له ولا يحتاجون تالياً إلى توصيفه أو تقدير أهميته.

ما يجري اليوم من مصالحات أو مصارحات بعد زمان "المصادحات" و"المصارخات"، يذهل اللبنانيين، ليس لما لدى سياسييهم من "حكمة" تجنب البلاد تعميق القلق العام حتى الإنفجار، بل لأن هذه "الحكمة" حلّت فجأة في الصدور، كأن أمراً هبط عليهم أن أحبوا بعضكم بعضاً، فامتثلوا.

فجأة صار فلان ذا حيثية كبيرة في الجبل، ولم يصادر فلان أجراس الكنائس. وقبلهما، لم تعد شبكة الإتصالات خطراً، وسقطت رهبة السلاح على الداخل، وغيرها الكثير من المفاجآت السياسية، كما اكتشاف بند إلغاء الطائفية السياسية المسجل في اتفاق الطائف منذ 1989.

كل ذلك، يمكن الناس أن يتفهموه، أو أن يحاولوا السكوت عنه، لكن ما لا تستسيغه العقول هو ما يرافق موجة المحبة السياسية المفاجئة، من مدائح لا تكتفي بنقض كلام الأيام الخوالي، بل تسبغ على الممتدح ما لا يعرفه هو عن نفسه وتكاد تلفق له صيغة تمجيدية غير مسبوقة. الأنكى أن يعتبر كل لقاء بين أضداد الأمس، وبأصوات الصادحين بنهجهم، منطلقاً لتأسيس مرحلة جديدة. أي ان الناس مدعوّون الى شطب الخلاف السابق من صفحة الماضي، وفتح صفحة جديدة، من دون سؤال أو استفسار.

لا أعرف لمَ يذكّرني ما يجري اليوم من إعلانات ودّ ومحبة بروايـــة جورج اورويل الشهيرة المعنونة "1984"، والتي كتبها عام 1946 قبل وفاته بثلاث سنوات.

يتصور اورويل العالم عام 1984 منقسماً ثلاثة تحالفات: الأول "أوشيانيا" أو "أوقيانيا" وهي تضم الأميركتين وأوستراليا والجزر البريطانية. والثاني "أوراسيا"، وأراضيها هي روسيا والباقي من أوروبا. والثالث هو "إيستاسيا" وتتكون من الصين واليابان وكوريا وشمال الهند. أما الشرق الأوسط، وجنوب الهند، وأفريقيا، فهي ساحات حرب ومناطق متنازع عليها بين هذه الدول الثلاث.

أحداث الرواية تدور في دولة أوقيانيا حيث يمارس "الأخ الأكبر" استبداداً مذهلاً يزرع أجهزة الرصد في كل مكان لمراقبة الشعب ونشر الأخبار الملفّقة وإصدار الأوامر للأفراد، لالتقاط كل همسة من الشعب. بل ويتجاوز ذلك الى حدّ تحطيم العلاقات الأسرية لإفناء كل ولاء ليس موجهاً له، ويمنع الإتصال بالحضارات الأخرى، ويحرّف التاريخ، ويلفّق الماضي، ويقلب الحقائق، حتى تتيه العقول فلا تجد إلا الحزب كحقيقة ثابتة تؤمن بها.

وفي كل مرة تتصالح أوقيانيا مع أوراسيا أو مع ايستاسيا، يفرض "الأخ الأكبر" إعادة كتابة التاريخ وتغيير الذاكرة الجماعية حتى ينسب ماضياً الى الحلف الجديد كما الى العداء الجديد، فـ"يؤسس لمرحلة جديدة".

يتصرّف سياسيّونا اليوم بمنطق "الأخ الأكبر"، لكن بما يناسب أحجامهم، وأحجامنا. يحاصروننا بمحبة بعضهم لبعض، ويستنبطون إعجاباً متبادلاً بينهم لم نكن نلحظه في سابق الأيام، ويريدوننا أن ننسى متاريسهم السابقة ورشقاتهم النارية المتبادلة.

ليس المطلوب ألا يتقارب الأخصام، بل المطلوب ألا يكون الاختلاف، منذ البدء، مجال عداء. فالإقبال الراهن على إرهاقنا بتبادلهم المحبة، بعد نيران الخصومة، يكشف أننا مجتمع لا يؤمن بحق الإختلاف، وأنه يرى فيه سبباً لإلغاء الآخر، فيما الإتفاق مبرر لتأليهه، وحرق صفحات الماضي، بل وتزويرها بادعاء إيجابيات لخصم كأن عدم ملاحظاتها خطأ من أخطاء الرأي العام، وليس من "الأخ الأكبر" المزروع في كل "زعيم".

يعرف اللبنانيون أن لبنان ممر إلزامي لأزمات المنطقة، كما مصالحاتها، وأن هذه الأزمات أمام أفق غامض قد يوصلها إلى الإنفجار أو إلى الإنفراج. وفي انتظار الحسم، يستحسن للبنان أن يهدأ ويهدئ خلافاته.

ما لا يعرفه اللبنانيون هو مبرر استغبائهم بهذه الطفرة من محاولات محو الماضي، فيما المطلوب الدفاع عن الإختلاف مع الحرص على قواعد الديموقراطية، لا نفي الأول على حساب الثانية.

"لم يعد هناك مكان آمن سوى سنتيمترات معدودة في الجمجمة"، كتبها جورج اورويل عام 1946. وهذه السنتيمترات كافية اليوم، ودائماً، للتذكير بأن "14 آذار" قضية وطن، وليست ورقة يساوم عليها السياسيون. وهي إن لم يحمل جمهورها السلاح للدفاع عنها، فإنه لن يسقط الديموقراطية كحق له في حمايتها وما نادت به. وهي في 2005 سبقت قياداتها ولم تلحق بهم. ولن تفعل اليوم ما لم تفعله بالأمس.

المصدر:
النهار

خبر عاجل