الردود على إلغاء الطائفية أظهرت الافتقار الى إستراتيجية ثانية
الموقف الدفاعي للمسيحيين لا يكفل لهم الضمانات للمستقبل
كشفت ردود زعماء مسيحيين على ما اقترحه رئيس مجلس النواب نبيه بري من تطلع الى انشاء الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية امام مراقبين ديبلوماسيين اجانب في بيروت، عمق الازمة التي يواجهها المسيحيون في لبنان والتي تترجم في وضع دفاعي بامتياز على اكثر من مستوى، في حين يعبر موقف بري عن الوضع الهجومي الذي يعتمده الزعماء الشيعة في مقاربة الامور في لبنان منذ بعض الوقت. وبحسب هؤلاء المراقبين، فان ازمة المسيحيين التي يتم تجاوزها راهنا لاعتبارات متعددة بعضها يتعلق بالتحالفات السياسية القائمة وبعضها الاخر بضرورات التهدئة، لا تعفي القيمين على الطوائف المسيحية، سياسيين ودينيين من مسؤولية إعداد استراتيجية تساهم في تثبيت وضعهم في لبنان بدلا من البقاء في مكان دفاعي يظلله وضعان مؤسفان للمسيحيين في المنطقة، احدهما في فلسطين المحتلة والآخر في العراق. وتشكل ردود الفعل على موقف بري نموذجا بسيطا بالنسبة الى هؤلاء المراقبين لما يمكن ان يعتبره كثر سيفا مصلتا باستمرار فوق رؤوس الطوائف المسيحية، فيما عجز القيمون على هذه الطوائف اقله في العقدين الأخيرين عن بلورة ما يمكن ان يقوي موقع المسيحيين ويشعرهم بالامان، بحيث يلمس هؤلاء المراقبون على نحو واضح الاتجاه الانكماشي لهذه الطوائف في جبل لبنان فقط في مقابل الانفلاش المديني والشعبي للطوائف الاخرى في القرى والمناطق البعيدة على نحو يعكس استمرار حال القلق وعدم الاطمئنان.
يقابل هذا الواقع من جهة اخرى غياب اي رعاية من الخارج للمسيحيين في بلد لا تزال طوائفه الاساسية تحظى برعاية معنوية ان لم يكن اكثر، خصوصا بالنسبة الى الطائفتين السنية والشيعية على حد سواء، في حين ان الوضع لا ينسحب على الطائفة الدرزية. فلا الفاتيكان قادر او راغب في اداء اي دور في ضوء المشاكل الداخلية المتعددة التي يواجهها، ولا فرنسا في وارد بسط رعايتها المعنوية، وهي رعاية غابت اكثر مع وصول الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي لديه اولويات اخرى في المنطقة اكثر من اي وقت مضى، كما ان الولايات المتحدة الاميركية لا تعتبر راعية واقعية للمسيحيين، علما ان كثرا سجلوا ثغرة كبيرة في اداء زعيم "التيار الوطني الحر" في الاعوام الاخيرة لانه حاول ان يشد المسيحيين في اتجاه غير ودي مع الولايات المتحدة نتيجة تحالفاته الجديدة في لبنان ومع دول اقليمية، في حين ان لا تاريخهم يحتمل ذلك ولا مستقبلهم ايضا. قد اظهرت المصالحات الاقليمية مع الولايات المتحدة والحوار الايراني الاميركي جسامة ما يمكن ان تتسبب به بعض السياسات من اضرار لا يمكن تصحيحها بسهولة، خصوصا ان الطائفة المسيحية مثلا ليست بقوة دول ومصالحها للمقايضة عليها كما قد تفعل سوريا او ايران. وهذا يشكل شرحا لواقع الامور وهو ليس استدراجا للخارج لرعاية اوضاع الطوائف في لبنان، فيما يلح الحرصاء على لبنان من خارج لجعل لبننة الاهداف والتطلعات الهدف الاساسي الذي يحيّد لبنان عن الصراعات الاقليمية على غرار الاعتقاد السائد في شأن "حزب الله". وفي حين دار الجدل "البيزنطي "، في الايام الاخيرة حول ابقاء المقاومة خيارا محتملا من ضمن البيان الوزاري للحكومة، فان السؤال القلق حول لبنان لا يتصل بما اذا كان الحزب سيستخدم هذا السلاح من اجل تحرير مزارع شبعا بقدر ما يتعلق بفاعليته والقلق منه اذا وجهت اسرائيل ضربة عسكرية الى ايران، وما سيعاني لبنان من تبعات ذلك بحيث يكون مجددا ساحة لحرب الاخرين وليس لمصلحته هو.
ووفقا للمراقبين انفسهم، فان ما اقترحه بري، وان لم يكن جديدا في مضمونه او في كونه قد لا يتخطى واقع المناورة السياسية لاهداف محددة او حتى لاهداف بعيدة، مرتبط بالظروف السياسية التي قد تختلف بحيث تجد اقتراحات مماثلة صدى لاعتبارات لا يمكن التنبؤ بها منذ الآن علما ان اقتراح بري فاجأ كثرا ليس من حيث توقيته فحسب بل من حيث مبدأ الطرح في ذاته، فيما يردد مسؤولون مسلمون امام رؤساء البعثات الديبلوماسية ان المسيحيين هم ملح لبنان ولا يمكن ان يبقى هو نفسه من دونهم، وتاليا لا يفهم المبرر لتخويفهم واثارة نقزتهم مجددا من تحالفاتهم السياسية، وان يكن هؤلاء ادرجوا ما اقترحه بري في اطار الرد على الجدل حول سلاح "حزب الله" وعدم رغبة المسيحيين عبر رأس كنيستهم وزعماء سياسيين في توفير الغطاء الذي يحتاج اليه في الداخل، في وقت يضعف هذا الموقف حلفاء الحزب المسيحيين وفق ما ظهر في الانتخابات النيابية، وتراجع هؤلاء الحلفاء مسيحيا ثم على مستوى الجامعات والنقابات لاسباب من بينها طبيعة التحالفات السياسية التي حصلت بين 2005 و2009.
ومن هذه الزاوية يعتبر هؤلاء ان المفاجأة التي اخرجها بري من جيبه يفترض ان تطلق انذارا للقيمين على الطوائف المسيحية، السياسيين وغير السياسيين، ليس للتكتل في وجه الطوائف الاخرى بل لاعتماد استراتيجية لا تبنى على الاقتناع بأن المسيحيين في المنطقة هم في طريقهم الى الاضمحلال او الانقراض. فهناك مشكلة حقيقية على هذا المستوى لا يجري التعامل معها وفق ما يجب على صعيد اعادة تجذير المسيحيين في لبنان واعادة الثقة اليهم في مناطقهم البعيدة والاهتمام بهم على هذا الاساس نتيجة الخلافات الشخصية والتنافس على الزعامة بين المسيحيين. كما لا يتم التعامل معها من ضمن استراتيجية سياسية ثابته لا تلغي التنافس السياسي لكن تحول دون المزيد من تفريغ لبنان من المسيحيين وتساهم في طمأنتهم. فما يعيشه لبنان اليوم عبورا وموقفا دفاعيا ناجحا الى حد ما، لن يعيشه غدا على الارجح وفق ما يخشى المراقبون الديبلوماسيون انفسهم.