#adsense

دبي درس وفرصة !

حجم الخط

دبي درس وفرصة !

مرة ثانية دبي تترنح. بالأحرى تبدو هذه الامارة المدهشة كأنها لن تنجو من خطر الهزات الارتدادية التي اطلقتها الازمة المالية الكبرى في العالم قبل عام ونيف.
إمارة دبي التي اكتسبت في اذهان رجال المال والاعمال في المنطقة العربية كما في دول كثيرة، صفة "لؤلؤة الخليج"، أفادت العرب وأضرّت بهم في الوقت عينه.

أفادتهم عندما اعطت المنطقة الخليجية كلها صورة الحداثة والازدهار والتطور. وقبل ان يتجاوز عدد ابراجها الألف، كان الكثيرون يرددون ان حاكمها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ومساعديه قد حولوا الصحراء جنة، في حين حوّل الكثيرون غيرهم الجنة صحراء، ونحن في لبنان من هؤلاء!

عندما بدأت دبي تؤدي دوراً فعليا في استقطاب العصب الاقتصادي والاستثماري من مناطق آسيوية واوروبية، ومع قيام المشاريع العملاقة والطموحات الفلكية والمبالغ فيها احياناً كثيرة، كإقامة منتجعات الجليد والتزلج وسط الصحراء مثلاً. أو كبناء أعلى برج في العالم، أو عبر زرع البحر بمشروع النخلة الاسطوري، ومع توسيع شبكة الاستثمارات الى الدخول في الشركات العالمية، كانت صورة العربي في مرحلة من اعادة التظهير بالنسبة الى الرأي العام الغربي، انطلاقا من تلك المدينة المعجزة التي نبتت فوق الرمال، ومن دون أي اعتماد على النفط، لأن 7,9 في المئة فقط من موازنة دبي تأتي من النفط، والباقي من التجارة والخدمات.

❑ ❑ ❑

لكن دبي أضرّت ببعض العرب لأنها شكلت قدوة تحتذى، ولو على طريقة العدوى، ونشأ نوع من التنافس المضمر بين دبي وابو ظبي وبينها وبين البحرين وقطر، واستيقظت الامارات الاخرى على حلم لا يرى في أفق الصحراء سراباً يتراقص بعيداً، بل غابات من الابراج الرشيقة والزجاج اللماع على شكل غابات يزينها النيون.

المؤسف أن هذا التطوير المذهل حصل في جزء اساسي منه، على "أسس دفترية" اذا صح التعبير، أي انه كان يقوم على "الافتراض الرقمي" أكثر مما يقوم على الودائع الملموسة والرساميل والاحتياطات المجمدة. وعندما اتسعت هوة "الاقراض"، والاقراض المتسلسل يتحول عادة شبكة عنكبوتية، سرعان ما قد تتحول هوة تبتلع سلم المقترضين جميعاً وبالتتابع، وهو ما حصل في مسألة الائتمان العقاري، التي ابتلعت هوتها المليارات في اميركا ودول الغرب اخيرا. عندما اتسعت هذه الهوة في دبي ترنحت الامارة المدهشة وترنح وسيترنح معها كثيرون من المستثمرين، مصارف وشركات ومتمولين اضطلعوا بدور الفراش يحوم حول الضوء فيحترق احياناً.

❑ ❑ ❑

بعد وقت قصير يظهر مدى الاضرار التي ستصيب بعض مناطق الخليج بسبب "انفلونزا دبي"، التي ضربت مجدداً بعدما كان قد قيل ان الامارة آخذة في التعافي.
وفي انتظار الايام والاسابيع المقبلة، من الضروري ان يستخلص المسؤولون الدروس والعبر وخصوصاً عندنا في لبنان.

واذا كان من الضروري ان نتذكر مرة اخرى السياسة الرشيدة والحكيمة التي فرضها حاكم البنك المركزي رياض سلامة وحمت لبنان، لا بل جعلت منه واحة امان بعد انفجار الازمة الاقتصادية في العالم، فإن الامانة تفرض ايضا التذكير بالتعاميم والقرارات التي يتخذها المصرف المركزي لتضييق مساحة هوة "الاغراء الاقتراضي" وخصوصاً في القطاع العقاري الذي يشهد فورة محمومة عندنا في هذه الايام.

مع كل الأمل بان تتعافى دبي سريعاً. وبالتأكيد ليس على طريقة مصائب قوم عند قوم فوائد، ندعو الآن وبإلحاح شديد المسؤولين اللبنانيين الى دراسة علمية لنتائج ترنح امارة دبي وما يمكن ان يصيب لبنان منها سلباً وايجاباً.

واذا كان الجانب السلبي يتمثل بالطبع بما سيلحق باللبنانيين العاملين في دبي، سواء كانوا من المستثمرين وهم قلائل او من العاملين وهم كثر، فإن هناك بلا ريب جانباً ايجابياً. قد يشكّل فرصة مؤاتية أمام حكومة الرئيس سعد الحريري التي سرعان ما ستمسك بزمام السلطة في بلد يبدو الآن من "الناحية السيكولوجية" على الاقل، بالنسبة الى المستثمرين العرب وحتى الاجانب وكأنه واحة الاطمئنان الوحيدة المتبقية في هذه المنطقة!

واذا كانت القضايا الاقتصادية والمعيشية تشكل هدفاً كبيراً في طموحات الحكومة كما نص بيانها الوزاري، وفي خططها التي طالما اشار اليها الحريري تكراراً منذ ما قبل الانتخابات، ثم اذا كان البلد يرزح تحت مديونية كبيرة، فإن القدر السيئ في دبي وما يثير من المخاوف، يفتح امامه فرصة جديدة لتنفيذ مشروع اقتصادي انمائي طموح وكبير يفترض ان يقوم على هندسة مالية من شقين:

وضع برنامج يحظى بموافقة وطنية شاملة لمعالجة الدين العام عبر وقف الإهدار ومحاربة الفساد واصلاح الدولة واداراتها، ووضع خطط لتنشيط كل قطاعات الانتاج والاستثمار، وتفعيل القطاع السياحي، وتنظيم حركية النمو العقاري المتسارع في اطار من الانضباط والشفافية، التي تنبّه لها رياض سلامة منذ اعوام، وقد حالت حتى الآن دون بروز ظواهر الفقاعات المدمرة في بلد منهك مثل لبنان.

المصدر:
النهار

خبر عاجل