"وثيقة" سياسيّة أم "دستور"؟! (قراءة مقارنة)
دون شكّ ستحظى "الوثيقة السياسية" التي تلاها بالأمس أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله موضع دراسة وبحث وتحليل، أو موضع ترحيب أو توجّس، بل ستكون الشغل الشاغل للمحللين السياسيين لقراءة السطور وما بينها وما أمامها وما خلفها وما تحتها، ومطلع وحدّ وظاهر وباطن كلّ جملة قيلت فيها.. وعلى رغم حرص "اللغويّين" الذين صاغوا بميزان شديد الدقّة نص الوثيقة السياسية ليأتي ـ على الأقل ـ لبناني الوضوح والخطاب والأهداف، إلا أن أي قارئ سياسي متابع للخط البياني التصاعدي لما يصدر عن إيران، خصوصاً "رزمة الاقتراحات" التي قدّمتها إيران لمجموعة الـ5 +1، والمطّلع على مواد الدستور الإيراني، سيتوقف مطوّلاً أمام هذه "الوثيقة السياسية"، وقد لا أتردد في القول أنها: "الموجز في دستور حزب الله"…
وقبل الدخول في هذه القراءة المقارنة للوثيقة السياسيّة، فرضت علينا إجابة السيد حسن نصر الله الشديدة الوضوح إذ قال: "إن موقف حزب الله من ولاية الفقيه فكري وديني وليس موقفاً سياسياً خاضعاً للمراجعة"، فمجرّد القول أن هذا موقف ديني فكري، ونفي صفة الموقف السياسي عنه، لا يتوخّى الدقّة الوضوح، ولأسباب عدّة نوردها من شهادات قيادات ونصوص حزب الله، وقبل أن نوردها نقول: زادتنا إجابة السيّد حسن نصر الله يقيناً بأن الوثيقة التي تلاها بالأمس على اللبنانيين ـ وحشد لها ما استطاع من الصحافيين الموالين للتنظير لها ـ هي الموجز في دستور حزب الله والمعلنة مؤقتاً تحت عنوان "الوثيقة السياسية"..
تأكيد السيد حسن نصر الله على ارتباط حزب الله الوثيق بولاية الفقيه، أعادنا كلبنانيين إلى "نقطة الصفر" فور انتهائه من تلاوة الوثيقة السياسيّة، بل أعادنا فوراً إلى التأكد من أن "البيان التأسيسي" هو الخطوة الأولى وأن "الوثيقة السياسية" ليست إلا الخطوة الثانية، وأن ما أسماه الأمين العام بصيغة لغوية لطيفة " تظهير الرؤية السياسية لحزب الله، حيث تنطوي على ما نراه من تصورات ومواقف وما نختزنه من آمال وطموحات وهواجس، وهي تأتي – قبل أي شيء آخر – نتاجاً لما خبرناه جيداً من أولوية الفعل وأسبقية التضحية"..
وهنا يترتّب علينا العودة إلى كلام إبراهيم أمين السيّد: "نحن لا نستمدّ عمليّة صنع القرار السياسيّ لدينا إلا من الفقيه، والفقيه لا تعرّفه الجغرافيا بل يعرّفه الشَّرع الإسلامي.. فنحن في لبنان لا نعتبر أنفسنا منفصلين عن الثورة في إيران.. نحن نعتبر أنفسنا – وندعو الله أن نصبح -جزءاً من الجيش الذي يرغب في تشكيله الإمام من أجل تحرير القدس الشريف. ونحن نطيع أوامره، ولا نؤمن بالجغرافيا بل نؤمن بالتغيير".. (الحركات الإسلامية في لبنان – بيروت 1984)، ولا يحتاج هذا الكلام إلى كثير تفسير، فالقرار السياسي في حزب الله مستمدّ حالياً من مرشد الجمهورية الإيرانيّة علي خامنئي..
وهنا لا بدّ لنا من العودة أيضاً إلى البيان تأسيس حزب الله (16 شباط 1985) نقرأ: "إننا أبناء أمة حزب الله نعتبر أنفسنا جزءاً من أمة الإسلام في العالم.. إننا أبناء أمّة حزب الله التي نصر الله طليعتها في إيران، وأسست من جديد نواة دولة الإسلام المركزيّة في العالم، نلتزم أوامر قيادة واحدة حكيمة عادلة تتمثّل بالوليّ الفقيه الجامع للشرائط.. كلّ واحد منها يتولّى مهمّته في المعركة وفقاً لتكليفه الشرعيّ في إطار العمل بولاية الفقيه القائد".
وقد يكون في هذا الكلام الصادر عن السيد حسن نصرالله نفسه وشرحه لمعنى الوليّ الفقيه ما يُغني عن الاستفاضة في قراءة "نقطة الصفر التي عدنا إليها بالأمس إذ قال في تعريف الوليّ الفقيه: "الفقيه هو وليّ الأمر زمن الغيبة، وحدود مسؤوليته أكبر وأخطر من كلّ الناس، ويفترض فيه إضافة للفقاهة والعدالة والكفاءة، الحضور في الساحة والتصدّي لكلّ أمورها حتى يعطي توجيهاته للأمة التي تلتزم توجيهاته. نحن ملزمون باتّباع الولي الفقيه، ولا يجوز مخالفته. فولاية الفقيه كولاية النبيّ والإمام المعصوم واجبة. والذي يردّ على الوليّ الفقيه حكمه فإنه يردّ على الله وعلى أهل البيت" (مجلة العهد العدد 148 الصادرة في 24 نيسان 1987).
ونختم بما كتبه نائب أمين عام الحزب موثّقاً تجربة الحزب الشيخ نعيم قاسم (كتاب: حزب الله، المنهج، التجربة، المستقبل): "لا علاقة لموطن المرجع بمرجعيّته.. فالإمام الخميني كوليّ على المسلمين، كان يحدّد التكليف السياسيّ لعامّة المسلمين في البلدان المختلفة. والارتباط بالولاية تكليف والتزام يشمل جميع المكلّفين.. حتى عندما يعودون إلى مرجع آخر في التقليد، لأن الإمرة في المسيرة الإسلامية العامّة هي للوليّ الفقيه المتصدّي".. (ص75). كما كتب: "الحزب يلتزم القيادة الشرعيّة للوليّ الفقيه كخليفة للنبيّ والأمة، وهو "الولي" الذي يرسم الخطوط العريضة للعمل في الأمة، وأمره ونهيه نافذان (ص23)..
كلّ هذه النصوص الواضحة تدفعنا إلى طرح السؤال المركزي الأساسي والإجابة عليه قبل بدء قراءتنا المقارنة بدءاً من الغد – إن شاء الله -: هل علينا أن نستنج أن هذه "الوثيقة السياسية" وبناءً على كلّ ما تقدّم، جاءت من إيران؟!