الاستقلالية النسبية للوزراء عن مرجعياتهم السياسية مطلوبة والانسجام الحكومي له الأولوية
وحدة وطنية.. بين أكثرية وأقلية
أما وقد تشكّلت الحكومة من بعد عناء، وهي تتحضّر للمثول أمام البرلمان لنيل ثقته على أساس بيانها الوزاريّ، فإن معيارَ نجاح الجلسة المفترض فيها مناقشة البيان ينبغي أن يكون مزدوجاً:
أولاً، مناقشته على أساس تعميق معنى "الوحدة الوطنيّة" في الحكومة الحاليّة، بالإنطلاق من قاعدة أن تمكينها يكون بتمكين رئيسها وبحض كلّ من أعضائها على امتلاك حيّز من الإستقلاليّة النسبيّة عن مرجعياتهم السياسيّة في الأمور العملانيّة أو التطبيقيّة وبما من شأنه أن يحبط نزعات التعطيل سواء على صعيد العمل الحكوميّ ككل، أو على صعيد العمل في كل وزارة.
وثانياً، مناقشته على أساس إعادة تظهير الواقعة السياسيّة المركزيّة وهي أنّ في البرلمان أكثريّة وأقليّة، وأنّهما تكرّستا كذلك في استحقاقين انتخابيين متتاليين، بقانونين إنتخابيين مختلفين، وفي سياقات إقليميّة أيضاً مختلفة، أيّ أن قسمة الحياة السياسية اللبنانيّة منذ عام 2005 إلى اليوم بين أكثريّة وأقليّة لها معيار من الثبات بحيث ما عاد جائزاً القفز فوقها، ومن الضرورة أن تكون تجربة الوحدة الوطنية الحكوميّة المنبثقة هذه المرّة لا عن "تحالف إنتخابيّ موضوعيّ" كما في العام 2005، ولا عن معالجة تداعيات جولة عنفيّة كما في إتفاق الدوحة، وإنّما منبثقة في الوقت نفسه عن الإنتخابات النيابية وما أفرزته من نتائج، وعن الواقع الطائفيّ والسياسيّ والأمنيّ اللبنانيّ المفترض النظر إليه بواقعيّة، دون أن يوهم البعض نفسه، تحت وطأة مركّب القوّة، أن الواقعيّة في النظر ضعف فقط. إنّ وعيَ الضعف، أي وعي الغلبة الأمنيّة لفريق مقابل غلبة سياسيّة، برنامجيّة وجماهيريّة وبرلمانيّة لفريق، ليس أبداً إمعاناً في هذا الضعف، إلا لمن يستكين.
بلى يمكن أن تكون جلسة الثقة جلسة لتأكيد المعنيين: معنى كونها حكومة وحدة وطنيّة، ومعنى كونها وحدة وطنيّة بين أكثريّة وأقليّة، أكثريّة تمتاز بالغلبة الديموقراطيّة، وأقليّة لا يجوز المكابرة على امتلاكها للغلبة المسلّحة ولو كانت هناك أكثر من طريقة لقول هذا الشيء وللبحث في مآله، هذا البحث الذي لا يمكن لأحد تجاوزه، لأنه سيبقى يطرح نفسه بألف شكل وشكل، فمسألة السلاح تبقى هي المسألة المركزيّة على جدول أعمال اللبنانيين، أو تبقى المسألة المعطّلة بإمتياز لأن يكون للبنانيين جدول أعمال حقيقيّ، وإن كنّا مخطئين في ذلك فعلى من يمتلك السلاح إثبات العكس. فهب أنّ مالك السلاح استطاع عدم إشعار أيّ من اللبنانيين الآخرين بثقل ذلك، واستطاع طمأنتهم حقاً وقولاً بما فيه الكفاية، وهب أنّه أزال كلّ الهواجس بالتي هي أحسن، وهب أنّه قادر على التكيّف البعيد النظر مع القرارات الدوليّة، ومع القوّات الدوليّة، فحينذاك يكون هناك معطى جديد، ليس هو المعطى المتوفّر الآن، وليس هو المعطى الذي يبنى عليه الآن.
إن تظهير الواقع السياسيّ على أنّه وحدة وطنيّة حكوميّة منبثقة عن أكثرية وأقليّة نيابيتين هو المدخل لحسن التدبير والتصرّف في المرحلة المقبلة.